ابو كامل هو شخصية عراقية وطنية واسمه حسين خلف العطية ، عاصر الحكم الملكي والقاسمي والاخوان عارف وحكم العفالقة برئاسة احمد حسن البكر التكريتي ، سكن وعمل في بغداد وكان يمتلك مكتبا بسيطا يدير من خلاله عملية توزيع المواد الانشائية ومواد البناء وكان مسؤولا عن تجهيز الاسمنت والحديد وغيرها من المواد الداخلة في البناء . كان رحمه الله يحب اكل اللحم المشوي وعلى طريقته الخاصة حيث كان يشوي اللحم الغنم في التنور وكان سيخ اللحم يبلغ اكثر من متر يتلذذ باكله مع صحبه وضيوفه المحيطين ، مستمتعين باحاديثه وحواراته واسلوب الحسجة المصاحب لكل نقاشاته وتعليقاته الساخرة واللاذعة. تجاوز ابو كامل الستين من عمره وكان ذلك في مرحلة السبعينات في العراق.
تذكر كاكه حمه ويس ابو كامل وكيف كان يمزح معه ويتناقل معه الحديث بثقة نادرة حيث تميز ابو كامل باجادته لحديث الحسجة وتاتي اجادته للحسجة كونه من سكنة مدينة الديوانية في جنوب العراق ، وكان يتفاخر بذلك وينقل اخبار الديوانية في كل واردة وشاردة من حديثه .
ضحك ابو كامل بصوت عالي وهو يقول واخيرا تعلم كاكه حمه ويس الحسجة ، والحسجة هي تداول مفردات اللغة العربية بحيث تعطي الانطباع الخاص لمعنى الكلام في ظاهره بينما في حقيقة الامر ان المعلومة مبطنة باسرار ومعاني تحتاج الى فطنة وذكاء وسرعة بديهة من المقابل لكي يفهم ويعرف سر ومغزى الكلام الذي يريده المتكلم بحرفية جيدة .
قال ابو كامل لكاكه حمه ويس يبدو ان المدافع ستضرب بقوة وبشدة في هذا اليوم وكان يقصد بها مدافع القوات المسلحة التي تحارب في فلسطين في حرب تشرين عام 1973 ، رد عليه كاكه حمه ويس وبسرعة غير متوقعة " خير شنو السالفة لازم الجماعة اليوم ماكلين باقلة ودهن " عندها ضحك ابو كامل بصوت عالي وهو يقهقه ويقول واخيرا تعلم كاكه حمه ويس الحسجة الله اكبر.
وعلى ذكر المدافع فان اشهر مدفع في بغداد هو المدفع المعروف بطوب ابو خزامة الذي جاء به الاتراك واحتلوا به بغداد وقد وضع في ساحة الميدان والمدفع هو الطوب بالتركي والخزامة هي الفتحة التي كانت في مقدمة المدفع لكي تسهل جره وهي مشابهه للخرم الذي تعمله الفتيات في انوفهن ويضعن بها حلقة فضية او ذهبية تبرجا وتزينا وتدعى الفتاة التي تلبس في انفها حلقة بانها تلبس الخزامة .
ضحك كاكه حمه ويس عندما سمع ابو كامل يقول له سوف نحرر فلسطين عندما يحرك جيشنا الباسل طوب ابو خزامة من مكانه ويذهبون به الى فلسطين ، عندها رد عليه كاكه حمه ويس وقال له كاكه روح اشتري بعقلك حلاوة عندها انفجر ابو كامل ضاحكا لشدة ذكاء كاكه حمه ويس وفطنته ورده على تحليلاته بسرعة وباختصار.
وفي هذه الايام التي غادر بها ابو كامل العراق وبقي كاكه حمه ويس يراقب الوضع من بعيد وهو يقرأ نتائج الانتخابات للمجالس المحلية في المحافظات وكيف ان الحبربش يفوزون فوزهم الساحق باعتبار ان قائمة دولة القانون هي الفائزة وان رجل دولة القانون هو القانونجي ومن ينفذ القانون هم حمايته العتيدة الذين يدخلون في اي مكان يريدونه ويفرضون القانون بقوة الطوب ابو خزامة الذي كان جاثما في ساحة الميدان .
سأل اعرابي كيف هو الوضع عندكم في العراق بعد ان تغير الحال وراح الشين وجاء الزين ، ضحك الاعرابي وكاكه حمه ويس يتربص قوله ان كان فيه حكمة ام لا، وهل سيقول هذا الرجل الحسجة مثلما كان يفعل ابو كامل رحمه الله ، سكت الاعرابي قليلا وقال الوضع كله بخير والحمد لله الخير جثير والمال وفير والامان في كل مكان ولكن ولله الحمد هذه السنة بعنا الحنطة بنص السعر عن العام الماضي والحمد لله في العام الماضي كنا نشتكي ونتذمر ونعترض اما هذه السنة والحمد لله فقد بعنا الحنطة والشعير بنص السعر ونحن نصفق ونهلهل ونشكر الله على نعمه بفضل الامن والامان والقانون ورجال القانون وحماية القانون .
ضحك كاكه حمه ويس وابتسم بوجه الاعرابي وقال له حجي بروح ابوك هل انت عربي ام كردي فقال الاعرابي والله لا يوجد فرق بين العرب والكرد ولكن قبل سنة كنا نحن العرب نحترم الكردي ونقول له كاكه ثم نقتله في اليوم التالي واليوم نحن العرب نحترم الكردي بشكل اكثر وتقدير اعظم وايضا نقول له كاكه ولكن نقتله في نفس اليوم ، لا يوجد فرق بين هذه الايام وبين الايام السابقة لاننا نعيش في دولة رجل القانون . والقانون مثلما يعرف الجميع فان عدد أوتاره كثيرة ومتنوعة ، فيها الطويل وفيها القصير، فيها الوتر الغليظ وفيها الوتر الرفيع ولكل وتر نغم ونوته . وفوق كل ذلك فنحن من يحدد من يعزف على القانون ومن يؤسس القانون ويصنعه ونحن من يضع ألحانه وما على الشعب الا ان يرقص على انغام رجل قانون دولتنا القانونية .
ضحك كاكه حمه ويس مرة اخرى واراد ان يختبر ذكاء الاعرابي مرة اخرى قائلا له حجي بروح ابوك شنو الفرق بين القانون والربابة ، فقال والله يا ابن عمي القانون يحتاج الى زلم عندها ايادي طويلة تجعل من القانون ربابة ومن الربابة قانون اما الربابة فلا تحتاج الا رجل واحد يعزف على الربابة يسمى كيويلي . يعزف على الربابة ويحصل على ما قسمه الله له من عطايا ولا اريد ان اطيل عليكم كثيرا يا ابن العم هذه الايام نادرا ما تجد من يعزف على اوتار القانون بمهارة عالية او بحرفية ومهنية مقبولة ولكن مع الاسف في هذا الزمان الاغبر صار نص اهل العشيرة يعزفون على الربابة ويعتقدون انهم يعزفون القانون .
في بلدنا هذه الايام عندما نريد ان نبتعد عن القانون ما علينا الا ان نصعب او نعقد الامر ونحيله الى الدستور ، والدستور هو المبدأ الذي يركن اليه االجميع في الدول المحترمة اما في الدول غير المحترمة فان الدستور يكون مطاط ويمد ويجر حسب قوة الجر وعدد الحصن الجارة للدستور ، فاذا كان من يريد ان يمط الدستور قوي في استخدام حروف الجر فانه يجر المرفوع ويجر المنصوب ويعمل المستحيلات باسم الدستور المطاطي ، واذا كان قوي في الرفع فانه سيرفع من الدستور كل ما يريد تجنبه اما اذا كان صاحب الجرار القانوني له قوة النصب فانه سينصب باسم الدستور ويسرق باسم الدستور ويوظف امه واخته واولاده وبناته وجيرانه واولاد عمه وابناء عشيرته كلهم في النصب على الناس باسم الدستور .
والى ان نزرع شجرة ونجني ثمرة والى ان تعود المياه الى دجلة والفرات فان الناس عليها ان تتنعم بالدستور وبالقانون وبدولة القانون وبحزب دولة القانون وبرجال القانون .
وعلى رجل دولة القانون ان يتذكرجيدا المثل اللئيم الذي يقول " ما طار طير وارتفع الا كما طار وقع " . كان صدام حسين يطير من غير اجنحة وطار وحلق لمسافات عالية في الظلم والطغيان ولكنه وقع ووقعت معه كل الطيور الطائرة والمغردة في سربه والتي كانت تتفلسف باسم القانون ايضا فهل في سقوطه عبرة لمن يريد ان يعتبر.
ضياء السورملي - لندن
kadhem@hotmail.com
16/4/2009