اسم المستخدم

الصراع التركي الكوردي

يمتد الصراع العرقي بين الشعوب التي تقطن بلاد الأناضول وبين الترك الى تاريخ تأسيس الدولة العثمانية في عهد عثمان الأول سنة 1299 م ، ويمكن القول أن مشاكل الدولة العثمانية بدأت بعد أن انتصر السلطان سليم الاول على الصفويين في معركة جالديران وفيها سيطر على وادي الرافدين أو ما يعرف بالعراق حاليا وأذربيجان في عام 1514 م .وأشتد الصراع بين الكورد في تركيا وبين السلطات التركية بعد أن تأسست دولة أتاتورك بعد الحرب العالمية الأولى أو بالتحديد بعد سقوط الدولة العثمانية ووفاة آخر خليفة مسلم فيها هو عبد المجيد الثاني في شهر أذار سنة 1924م .

تمتلك تركيا تأريخا موثقا بالصراع مع الأرمن حيث وصل الصراع الى حد المجازر البشعة بسبب ما قام به الأتراك بحق الأرمن من قتل وتصفية جسدية تجاوزت المليون ونصف المليون شخص ، تمثل هذه المجزرة الوحشية تأريخا مأساويا ووصمة عار في تاريخ تركيا الحديث ، إرتكبت حكومة تركيا مجزرتها في شهر نيسان سنة 1915 عندما أمر قادة الجيش باعتقال أكثر من خمسمائة زعيم أرمني في إسطنبول وتمت تصفيتهم بشكل بشع ، وبعدها تم تسريح كل من يشكون كونه أرمنيا من صفوف الجيش التركي ونفذت الأحكام الشاقة والتصفية الجسدية بحق الشعب الأرمني . لحد هذا اليوم ترفض تركيا الأعتراف بإرتكابها هذه الجريمة المخلة بأبسط حقوق الأنسان وترفض الاعتذار للأرمن رغم التنديدات والضغوط الدولية .

تحاول تركيا أن تحول مسار مشكلاتها مع الكورد بإتجاهات مختلفة في سبيل بعثرة الرأي العام التركي وحرف الحقائق والوقائع المؤلمة التي تواجه الحكومة والجيش التركي والسبب هو عدم التفكير بالحلول المنطقية للحل الجذري للمشكلة الكوردية في أراضيها وكذلك عدم إيجاد الحلول الناجعة لباقي الأقليات العرقية والمذهبية الذين يشكلون نسيج عموم الشعوب التركية .

الإتجاهات والمحاور التي تلعب عليها تركيا لتضليل شعوبها في الوقت الحاضر هي مشكلتها مع إسرائيل وتخبطها في لعبة المساعدات التى تريد تقديمها للفلسطينيين من خلال لعبة فك الحصار عن قطاع غزة الذي يتحكم بأموره مجموعة من المتشددين الإسلامويين المتطرفين بقيادة منظمة حماس ، نسي الأتراك او تناسوا إن من يحاصر غزة هم العرب أنفسهم قبل غيرهم فهل تريد تركيا ان تكون بديلا عن مصر العربية التي أغلقت كل الابواب وبوابات العبور مع غزة وقاطعت منظمة حماس الأرهابية التي كانت تتباكى في يوم ما على حكم صدام المقبور ، أم تريد تركيا أن تكون بديلا عن الأردن العربي الذي يفتح معابره مع إسرائيل والضفة الغربية عبر شروط وقيود متفق عليها بين الأردن وإسرائيل ضمن اتفاقيات دولية بين البلدين .

يا ترى هل تريد أن تكون تركيا بديلا عن سوريا الساكته عن إحتلال أراضيها في الجولان . على الأتراك ان لا يلعبوا بالنار مع اسرائيل ، لان الورقة الإسرائيلية ستحرقهم وستعمل إسرائيل على تحريض العرب وتعمل المؤامرات الكبرى في سبيل ان تجبر تركيا على ارجاع إقليم الاسكندرونة المغتصب من سوريا ! وبذلك تكون تركيا قد جنت على نفسهامثلما جنت على نفسها براقش مثلما يقول المثل .

المطلوب من القيادات التركية أن تترك أمر فلسطين للفيلسوف معمر القذافي فهو الذي يؤطر النظريات لتحرير فلسطين من خلال كتابه الأخضر ومقولته المشهورة " الدجاجة تبيض والدولار لا يبيض" وهو من أسس لتسمية فلسطين بإسم (إسراطين) ، أتركوا الأمر أيها القادة الترك للملوك والأمراء العرب فهم أدرى باهمية العلاقة بين إسرائيل ودولهم وإماراتهم العربية وهم يعرفون أن العقالات ( جمع عقال ) الرفيعة السوداء المثبتة على رؤوسهم ستبقى لاصقة برؤوسهم ما دامت علاقاتهم باقية ووثيقة مع إسرائيل وإلا فسوف تنزع عقالاتهم من فوق رؤوسهم ويضربون بها على قفاهم متى ما خالفوا أي أمر لأسيادهم العم سام أو أبو ناجي .
الأتجاه الأخر هو اللعب بالورقة الإيرانية ، في تناقض واضح بين علاقة تركيا بحلف شمال الاطلسي والتدريبات العسكرية والترسانة الثقيلة والمعسكرات الاميركية الضخمة على الاراضي التركية وبين العلاقة التركية الهشة مع إيران بحجة القوة النووية الإيرانية ، إن تركيا تقف بقوة مع أميركا في أي تصويت يجري ضد إيران في الامم المتحدة ومن ناحية اخرى فهي تريد ان تثبت انها صديقة لأيران ، ان مثل هذه التمثيل والنفاق لن يدم طويلا لأنه مكشوف للجميع .

إن الإيرانيين ليسوا بهذا الغباء حتى يصدقوا نوايا تركيا المبيتة لهم وتعاونها الأمثل مع الادارة الاميركية والقيادات العسكرية الإسرائيلية ، إن المناورات العسكرية المشتركة في حلف شمال الاطلسي والمناورات التركية الإسرائيلية لا يمكن ان تتم في السر ، وأن إيران على إطلاع تام على ما يجري على الساحة العسكرية والسياسية رغم التحجيم والضغط عليها من قبل أميركا ومعظم الدول الاخرى المتحالفة معها. ومن المؤكد فان كل من أيران أو تركيا لا تريد أن تواجه أميركا بقوتها وجبروتها وتسلطها .

وفي محاولة فاشلة تريد تركيا أن تكسب الرأي العام العالمي ليقف الى جانبها في سبيل إبادة الشعب الكوردي في تركيا ، يبدو أن تركيا لم تتعلم الدرس من النظام العسكري العنصري العربي في العراق في زمن نظام المقبور أحمد حسن البكر وكذلك في زمن نظام المشنوق صدام حسين التكريتي ، لقد جرب الحكم في العراق كل أسلحة الدنيا المحرمة في سبيل إبادة الشعب الكوردي ولم ينجح وخاب فعلهم وتم قبرهم ودحرهم مع أعوانهم وحزبهم .

على تركيا الإستفادة من دروس التأريخ والتأهل لحل مشكلة الشعب الكوردي في تركيا من خلال المبادرات السلمية ومنح الحقوق القومية والثقافية لجميع الأقليات والقوميات المتعايشة على أراضيها ، وإن نهضة الشعب الكوردي ورفاهيته ستعمل على تقويم الدولة التركية وترفع من شأنها في حين إن الاقتتال والحرب سيقوضان الدولة ويستنزفان مواردها البشرية والقومية والإقتصادية .

إن الحركة الكوردية المسالمة في تركيا لها تأريخ حافل بالنضال من أجل الحرية والتحرر وهي مثل جميع حركات التحرر في العالم تهدف الى نهضة وإستقلال ورفاهية شعبها الكوردي ، وهي لا تختلف في نضالها عن نضال شعب جنوب أفريقيه ضد العنصرية والتمييز ، وإن عبد الله أوجلان زعيم هذه الحركة التحررية مثلما هو نلسن مانديلا ، لقد سجن مانديلا لأكثر من ثمانية عشر عاما ، كانوا يسمونه إرهابيا طيلة تلك السنين ولكنه الآن مناضل كبيرومهم ويجلس على نفس الطاولة التي كان يجلس عليها من إتهموه بالارهاب . نفس الكلام ينطبق على حركة التحرير الفلسطينية التي تدافع عنها تركيا اليوم ، كان ياسر عرفات إرهابيا في فترة ما ، ثم منح جائزة نوبل للسلام مناصفة مع الزعيم الذي كان يتهمه بالارهاب وهو الرئيس الحالي لإسرائيل شيمون بيريز .

نحن لا نستغرب أن يأتي اليوم الذي يخرج فيه عبد الله أوجلان منتصرا من السجن ويقود المفاوضات مع الوفد التركي ويرفع راية السلام والإنتصار لشعبه ويقوم المتظاهرون برفعه على أكتافهم ويطوفون به شوارع إسطنبول وأنقرة في تركيا باعتباره رمزا للنصر والسلام والجماهير التركية والكوردية تهتف له شعارات النصر والإحترام.

إن التبادل التجاري والإقتصادي القائم في هذه المرحلة بين تركيا الدولة القومية الأتاتوركية المتعصبة ومع إقليم كوردستان العراق قد غير مفاهيم مهمة في عقليات الكثير من القادة الترك ، كما وإن المليارات القادمة من الإتفاقيات التجارية مع كورد العراق ،صار يسيل لها اللعاب التركي لأنها أنعشت الاقتصاد التركي الهش ، وما تم من إتفاقيات مع من يسمونهم بالمتمردين الكورد سابقا هي التي أنعشت الليرة التركية وأرجعتها الى قيمتها الحقيقية بعد أن كانت تعادل في قيمتها مواد عضوية ، لقد وصلت الأصفار في العملة التركية عددا ضخما ، تم رفع هذه الأصفار من الورقة النقدية التركية بفضل التعاون الأقتصادي والتبادل التجاري والبناء في كردستان الجنوبية ، لقد تم ذلك بعد إزاحة النظام البعثي العنصري العربي الهمجي في العراق .

نحن نتسائل لماذا لا تجرب تركيا نفس سياسة البناء الاقتصادي والثقافي مع الكورد على أراضيها في تركيا ؟ ان تجربة الإعتراف باللغة الكوردية والسماح بإستعمال الستلايت والإنترنيت لم يكلف تركيا شيئا ، بل على العكس ، لقد خفف من الضغط والحسرات والتأوهات عن كبار العسكريين ممن تعبوا في حمل أنواط ونياشين الحروب والتي لا تمثل الا العقلية الفارغة للعسكر التركي ، إن منح الحقوق الثقافية وتسهيل الحياة المعيشية لأكثر من ثلاثين مليون كوردي يعيشون في تركيا سيجعل من تركيا دولة قوية بابناءها وشعوبها وقومياتها المتعددة ، وستتحول القلاع العسكرية ومستودعات السلاح إلى مباني ضخمة وفخمة وسايلوات لخزن الحبوب الواردة من الانتاج الزراعي بدل خزن العتاد والمعدات الحربية .

تركيا ليست بحاجة الى داعية منافق مثل القرضاوي ، يأتي إليها صارخا في مؤتمر إسلاموي للاستهلاك الخطابي والصراخ الممزوج برذاذ اللعاب على المشاهدين والمستمعين ، جاء القرضاوي ليقرض مثل الفئران ولينفخ ببوق يخرج أصواتا قبيحة ضد الكورد وضد حركتهم التحررية المناضلة ، أن شخصا مثل القرضاوي عليه أن ينتبه الى نفسيته وعقليته المتصابية ويهتم بنساءه وبناته وافراد عائلته وان يراجع طبيبا نفسانيا لكي يعالج حالة الخرف التي يعيشها .

على القرضاوي أن يدعو الى إصلاح حال أمته المتهرية والمبتلية بالقتلة والمجرمين والسراق والبهائم التي تفخخ أجسادها في كل مكان ، لا أن ياتي ويطعن بشعب مسالم بإسم الدين وبحجة فلسطين ، الكورد حالهم مثل حال الشعب الفلسطيني يناضل من أجل حريته وإستقلاله وعلى القرضاوي ومن يحمل مثل افكاره ان لا يكيلوا الدين الاسلامي بمكيالين لان الشعوب ستنفر من دينهم .

لقد كفر الشعب الكردي بحملات الأنفال ورفع البعض منهم سورة الأنفال من القرآن بسبب ما فعله صدام بإسم الأنفال وتدميره قرى وأرياف كوردستان وإبادة أكثر من مائة وثمانين ألفا من الكورد ، ستبقى حملات الأنفال وصمة عار في جبين الامة العربية الى ان يعتذر العرب في العراق ويعترفوا بخطأهم ويرفعوا الحيف والظلم عن المؤنفلين وتعويضهم ونفس الكلام ينطبق على مجزرة الأرمن وقتل مليون ونصف أرمني هي أيضا وصمة عار في جبين تركيا الى أن تقر بعملها الاجرامي وتعتذر وترد الاعتبار لضحايا المجزرة المليونية .

ضياء السورملي – لندن
kadhem@hotmail.com
12/07/2010