بدأت القوات الأميركية المتواجدة في العراق إحتفاليتها بالإنسحاب من العراق عندما بدأت تشرع بمغادرة أرض العراق بإتجاه الكويت ، يقدر عدد القوات الأميركية المقاتلة المغادرة أربعة آلاف جندي مع معداتهم العسكرية والآليات الثقيلة .
السؤال المطروح هو ، هل فعلا هذه هي نهاية التواجد الأميركي بعد سبع سنوات من الإحتلال العسكري الكامل للعراق ؟
تشير الأنباء عن بقاء خمسين ألف جندي في العراق قبل إنسحابهم الكامل بعد سنة ، إضافة الى عدد مماثل من المدنيين الأميركان من الخبراء ، وحجة بقاءهم هو المحافظة على ديمومة الإستقرار والأمن في العراق وكذلك تدريب القوات العراقية ، التي يبلغ تعدادها اكثر من مليون جندي وشرطي ، أكثر من نصفهم هم بمثابة عالة أو وبال على الجيش والشرطة بسبب تعيينهم من خلال دفعهم الرشاوي والمحسوبية والمنسوبية والمحاصصة الحزبية والمجاملات على حساب المهنية العسكرية .
لقد خسر الجيش الاميركي أكثر من اربعة آلاف وخمسمائة جندي وضابط ، وخسرت القوات البريطانية اكثر من مائة وخمسة وسبعين من عناصرها منذ ان أعلن بوش بدء الحرب على العراق في سنة 2001 .
وهنا يتساءل المرء ، هل أن عملية الإنسحاب هي عملية ناضجة بعد كل تلك الخسائر ، وهل إستتب الأمن في العراق خصوصا وإن عمليات حصد العراقيين من خلال العبوات اللاصقة والاحزمة الناسفة والاغتيالات المبرمجة مستمرة ومن دون توقف ، وان عملية إنتحارية واحدة حصدت اكثرمن خمسين شخصا وتركت أكثر من مائة وخمسين جريحا في عملية إجرامية إنتحارية نوعية في قلب بغداد وفي مقر وزارة الدفاع السابقة في باب المعظم ، على ماذا يدل هذا المؤشر الخطير ؟ وقد جاءت جريمة التفجير بعد يوم واحد من انسحاب القوات الاميركية .
يقول أحد المحللين السياسين الغربيين في جريدة ذي صن ، إن وقت الإنسحاب هو التوقيت الصحيح على الرغم من ان مشاكل الحرب لم تنته بعد .
من الحماقة جدا ان نصدق الادعاء الاميركي بان الحرب قد انتهت ، الحقيقة الناصعة هي ان الحرب بالنسبة للعراقين قد بدأت الآن بسبب إنسحاب القوات الاميركية وتركها الفراغ الكبير في كل المحاور، هذا الفراغ سيؤول الى إندلاع حرب معلنة او غير معلنة بين الفرق المتصارعة على السلطة في العراق .
هناك عدة اسباب جعلت القوات الاميركية تنسحب من العراق ، وجميع هذه الاسباب لا علاقة لها بالعراق وانما لها علاقة بحقيقة القوات الأميركية والسياسة الأميركية ومن هذه الاسباب هي تنفيذ الوعد الذي قطعه الرئيس الاميركي باراك أوباما في حملته الإنتخابية بأنه سيعمل على إنسحاب القوات العراقية في شهر ايلول / سبتمبر سنة 2010 ، وفي حالة لم ينفذ وعده سيظهر بمظهر الكاذب أمام الشعب الاميركي ويكون ناكثا لوعوده الأنتخابية .
لقد مل الأميركان من طول فترة الحرب في العراق وتريد عوائل الجنود ان تشاهد أبناءهم وقد عادوا الى بيوتهم بعد هذه الفترة الطويلة من الحرب العقيمة ، أما السبب الثالث والمهم هو حاجة أميركا الى قوات إضافية في أفغانستان ستعوضهم بقواتها العاملة في العراق .
على الرغم من أن أميركا لها قوات جبارة وهائلة في كل أنحاء العالم ، إلا انها تعاني بشكل كبير في حربها في أفعانستان مثلما حصل للإتحاد السوفيتي سابقا في فترة احتلاله لأفغانستان ، كما وعانت اميركا أيضا في العراق وإن أرقام خسائرها المالية وفقدانها أعدادا هائلة من جنودها هو دليل بارز على تلك المؤشرات .
ان فترة خدمة الجندي الاميركي تستمر لمدة خمسة عشر شهرا قبل ان يعود لزيارة أهله ، في حين هي ستة أشهر مستمرة لأقرانه من الجنود البريطانيين ، ان هذه الفترة الطويلة لبقاء الجندي الأميركي في افغانستان أو في العراق تركت الجندي الأميركي في صراع نفسي كبير وأصيب عدد كبير منهم بالامراض النفسية والعصبية مما ادى الى انهيار الكثير منهم وانتحار عدد لا باس منهم مثلما تشير اليه الاحصائيات الرسمية الاميركية نفسها على الرغم من المبالغ العالية التي يتقاضونها والخدمات الممتازة التي تقدم لهم في مسرح العمليات ، لكن قساوة الظروف المناخية والتضاريس في كلا البلدين العراق وأفغانستان ، حيث العراق بلد صحراوي تصل درجات الحرارة فيه الى خمسين درجة مئوية في فصل صيف طويل نسبيا بينما افغانستان بلد جبلي تصل درجات الحرارة في فصل الشتاء الطويل نسبيا الى ثلاثين درجة تحت الصفر .
اذا لم تتدارك القيادات العسكرية وتتجاهل الفترة الطويلة التي يقضيها الجندي الأميركي في الخدمة فإنها ستؤدي الى مردودات سلبية تؤثر بشكل قاس على معنويات الجيش الاميركي الضعيفة او المنهارة أصلا وتتسبب بكارثة مثلما حصل للجيش الأميركي في فيتنام .
أما السبب الرابع هو العبئ المالي والتكلفة العالية للحرب في العراق وأفغانستان ، لقد إنهار الاقتصاد البريطاني بسبب الحرب في العراق وأفغانستان وبلغت تكاليف الحرب في العراق وأفغانستان أكثر من تريليون دولار ، هذه المبالغ الطائلة هي التي تشكل العبئ الكبير على الميزانية الأميركية بسبب المديونية الهائلة . حتما ستترك هذه المديونية آثارها الاقتصادية على المواطن الاميركي وسيدفع تكاليف هذه الحروب بشكل مباشر او غير مباشر من خلال الضرائب المفروضة عليه .
لقد بدأت بريطانيا ومعظم الدول الاوربية تعاني من آثار هذه الحروب وبدأت فعلا برنامجها التقشفي في سبيل تقليل العجز الكبير في ميزانية تلك الدول وبدأ المواطن الاوربي وخصوصا البريطاني يعاني الكثير مما جعل الأنكليز يغيرون أنماط حياتهم اليومية وتغيير أسلوب الصرف الذي كانوا مترفين ومتنعمين فيه ، لتبدأ مرحلة شد الأحزمة على البطون في سبيل منع تفاقم الازمة المالية.
المحور الثاني لانسحاب الجيش الاميركي من العراق ، هو إن أميركا تركت العراق ممزقا وغير متماسكا ، يعتقد الكثير أن العراق اصبح بلدا ديمقراطيا ، هذه المقولة مضحكة جدا لمن يعرف حالة العراق ومعيشة العراقيين فيها ، يعتقدون أن الأنترنت وقنوات التلفزة والستالايت هي من مظاهر الديمقراطية وان الشعب العراقي أصبحت تصله المعلومات بسرعة وإنه اصبح واعيا لما يجري حوله وهذه كافية لكي تسنده وتجعله آمنا ، المحور المفقود في هذا المفهوم هو نقصان الرفاهية للفرد العراقي ، ونقصان الخدمات اليومية الضرورية التي جعلت من حياته اليومية جحيما لا يطاق بسبب انقطاع الكهرباء والماء لفترات طويلة في درجات حرارة مخيفة بسبب المناخ الصحراوي والاتربة والغبار الذي صار ظاهرة يومية بسبب التصحر .
اما العامل الأمني المفقود والفساد الإداري والمالي وإنهيار القيم والمفاهيم الرصينة ومسخ سلوك الفرد ونقصان الوعي الصحي وإنهيار البنية التحتية هذه العوامل وغيرها الكثير جعلت العراق بلدا غير واضح الملامح بإستثناء إقليم كوردستان والذي يقف هو الآخر على حافة الخطر بسبب تأهب القوى المحيطة به من كل جانب للانقضاض عليه وتدمير كل ما تم بناءه .
إن الوضع السياسي الهش وعدم رصانة القيادات السياسية التي جاءت بمعية الأميركان ، تسببت في تأزم الوضع في العراق وجعلت صورة الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والصحي في حالة بائسة .
ان انتشار الفساد الاداري والمالي وانتشار الدعارة والمخدرات وإنهيار منظومة التعليم الاولي التربوي والتعليم العالي وإنتشار ظاهرة التزوير والغش في التعاملات اليومية ، وفساد القيادات الادارية العليا ترك مؤشرات خطيرة من الصعوبة اصلاحها .اضافة الى ما خلفة النظام البائد من عدد وكم هائل من المعوقين والعوانس والارامل وعوائل تعيش على مآسي فقدانها شباب من ابناءها .
إن اميركا لا تهمها الوضع بالعراق بقدر ما تهمها مصالحها اليومية وما تخطط لها قياداتها ، لا تهمها ما يحصل في العراق من فرهود او قتل جماعي او مقابر جماعية او إنتشار المخدرات والايدز .
انا اعتقد ان الحرب الحقيقية في العراق ستبدأ عند بداية إنسحاب الجيش الاميركي ، ليس لأن الجيش الأميركي هو من يحمي العراق من هذه الحرب ، بل السبب الحقيقي هو أن الأميركان قد وضعوا أسس هذه الحرب وأكملوا كل جوانبها وستتقد وتشتعل هذه الحرب عندما يكتمل انسحابهم الكامل .
الحرب ستكون بين السنة والشيعة وستنطلق شرارتها في بغداد والحرب بين الكورد والعرب وستنطلق شرارتها في الموصل أوكركوك أوخانقين ، وهناك حرب الكهرباء والفساد الاداري ستنطلق عندما يعم الظلام العراق كله عندها سيهجم الشعب بالحجارة وينتقم من القيادات السياسية التي سرقته ونهبت ثرواته .
ضياء السورملي – لندن
kadhem@hotmail.com
21/08/2010