بين حين وآخر ، يخرج علينا نائب هنا وسياسي هناك يرفض ويعترض على إجراء الإحصاء السكاني في العراق ، وحقيقة الأمر إن المعترضين او العاملين على عرقلة تنفيذ التعداد السكاني إنما يؤشرون على أنفسهم بكل وضوح بأنهم عناصر متخلفة تنقصهم المعرفة العلمية وعدم الوعي أو أنهم أشخاص لديهم نوازع وأسباب عنصرية تنبع من كونهم من المؤيدين أو من أزلام النظام السابق ولديهم رغبة وإصرار لتشويه الحقائق وطمسها خصوصا ما يتعلق بمسألة تعريب المناطق الكردية التي قامت بها زمرة حكمت في زمن حزب البعث العبثي البائد بقيادة الطاغية المجرم صدام حسين .
إن الإحصاء السكاني هو علم متكامل وليس جمع بعرور والرعي مع الغنم في البوادي . يقوم التعداد السكاني على أسس علمية إحصائية متكاملة ، وتقاس الدول المتقدمة بمقاييس ومعطيات إحصاءاتها السكانية وغير السكانية .
يعرف التعداد السكاني بانه مَسْح عام تقوم به دوائر إحصاء وتخطيط مختصة هدفها جمع المعلومات المتعلقة بالسكان القاطنين في الدولة التي يراد إجراء الإحصاء السكاني فيها . كما توجد أنواع اخرى من الإحصاءات تبحث في موضوعات احصائية متعددة مثل الإحصاء الزراعي او الإحصاء الصناعي .
يقوم الإحصاء السكاني بتحديد عدد السكان إضافة إلى معلومات أخرى كالسن والعمالة والدخل والعِرْق والجنس. وتقوم غالبية دول العالم بإحصاءات سكانية في دولها والاحصاء هو واحد من المعايير الأساسية التي تعتمد عليه الدول المتقدمة في تنفيذ خططها وبرامجها سواء أكانت طويلة الأمد أم قصيرة الأمد .
إن الإحصاء في معظم دول العالم هو من صلاحية الدول وتشرف عليه حكوماتها بالكامل من خلال هيئات متخصصة في مجالات علوم الإحصاء والإقتصاد والتخطيط والإدارة ، ويشترك في عمليات المسح السكاني جيش من العدادين والكوادر الوسطية التي تعمل على إدخال البيانات التي يتم جمعها ، ويتعاون معهم غالبية المجتمع لأن العملية الاحصائية تمثل عملا جماعيأ مشتركأ تهدف الى النفع العام للمجتمع برمته .ويستفاد من نتائج الاحصاء السكاني التي تنشرها الحكومة وتضعها في متناول الناس أصحاب الاختصاص كالباحثيين الأجتماعيين وأصحاب الشركات والاقتصاديين والمحلليين السياسيين وقادة البلاد المهتمين برسم سياسات بلدانهم.
عادة ما تقوم الدول بالاحصاء السكاني في فترات منتظمة ، على سبيل المثال كل عشرة سنوات تجري إحصاء سكاني متكامل ، مما يساعدها على مراقبة التغيرات الحاصلة ورصد الظواهر أو الفوارق التي تحدث على التركيبة السكانية وتدرس ما يطرأ في المجتمع والتغيرات التي تحدث فيه بسبب كوارث طبيعية أو أوبئة تفتك بالبلد او بسبب الحروب المستمرة لفترة طويلة مثلما حدث في العراق ، حيث إستمرت حرب الخليج الاولى مع إيران ثمانية سنوات وحرب الخليج الثانية مع الكويت وتداعياتها بفرض الحصار لأكثر من عشرة سنوات ثم حرب تحرير أو إحتلال العراق المستمر منذ سنة 2003 ولحد اليوم . إن إجراء الإحصاء السكاني في العراق بعد كل هذه الحروب والكوارث والقتل والموت الذي حصل سيساعد على فهم التغييرات الحاصلة في التركيبة السكانية وهجرة الأقوام التي تسكنه واعدادهم وتجمعاتهم . كما تساهم في معرفة عدد الناس الأميين وتعرف عدد الاطفال وعدد المسنين وعدد النساء وعدد الرجال وعدد الشباب وعدد الشابات ، هناك معطيات هائلة يتم استنباطها من خلال البيانات الداخلة في عملية المسح السكاني .
تتم عملية الإحصاء السكاني من خلال موظفي التعداد السكاني بعد ملئ الإستمارات الخاصة المصممة لهذا الغرض ، ويعتمد دقة الإحصاء على صحة المعلومات المدونة وطريقة جمع المعلومات بشكلها وأسلوبها الصحيح من دون تزوير وتحريف ، ويعتمد على وعي الناس بضرورة الإحصاء وأهميته الكبيرة ، وعادة ما تصاحب الإحصاء السكاني حملة توعية إعلامية وإرشادات وتوضيحات حول كيفية تعبئة المعلومات وملئ الاستمارات والإجابة على الاسئلة المطروحة فيها ويكون دور موظفي التعداد المدربين لهذا الغرض هو تسهيل مهمة جمع المعلومات وتدوينها ومن ثم نقلها الى الحاسبات الألكترونية في سبيل تبويب وتصنيف وتحليل هذه البيانات ومن ثم الحصول على المعطيات والنتائج والرسوم البيانية.
بعد هذه المقدمة البسيطة من المعلومات عن الإحصاء السكاني وأهميته يخرج علينا بين الحين والحين ، بعض السياسين الجهلة وغير الواعين في محاولة منهم لمنع عمليات الإحصاء السكاني بحجة او أخرى .
في تصريح لا يخلو من غباء او خبث سياسي مقصود صرح النائب عن القائمة العراقية إسامة النجيفي في مؤتمر صحافي عقده ببغداد في التاسع عشر من شهر اب الحالي ، " إن الظروف الحالية غير مواتية لإجراء الإحصاء السكاني في العراق، نظرا لوجود أزمة سياسية في البلد وتنازع حول الحدود الإدارية لبعض المحافظات ، مشيرا إلى بعض التشريعات والقوانين تعرقل إجراء الإحصاء في كركوك ، مثل المادة 24 من قانون مجالس المحافظات والمادة 4 من قانون انتخابات مجلس النواب "
ان حجة الظروف الحالية غير مؤاتية ، حجة مردودة على أصحابها لأن هذا الأمر من إختصاص وزارة التخطيط وهي المسؤولة عن هذا الاحصاء وهي التي تعد وتحضر الاستمارات وهي التي جندت ودربت الكوادر التي ستقوم بالتعداد والمسح السكاني وما على النجيفي إلا التريث والإنتظار لحين الشروع بعملية التعداد السكاني والمساهمة بفعالية في سبيل إنجاح هذا الإنجاز الكبير.
المطلوب من النجيفي ان ينتظر نتائج الإحصاء وأن يساهم بدوره بملئ استماراته الخاصة به يوم التعداد وعند حصول مشاكل او تجاوزات يتعين على السيد إسامة النجيفي أن يساهم في إيجاد الحلول المناسبة في حينها من خلال نفوذه وسلطاته باعتباره قائدا في القائمة العراقية والمثل العراقي يقول اليد التي تعمل هي التي تتسخ اما اليد التي لا تعمل ستبقى نظيفة .
و يدعي السيد عمر الجبوري وهو نائب آخر من القائمة العراقية بان " التعداد سيتسبب بخلاف في العراق بشكل عام وكركوك بشكل خاص في ظل عدم الإستقرار السياسي وعدم التوازن السكاني في المدينة ، كما سيدخل البلد بعدة أزمات قد تنعكس سلبا على الاستقرار الأمني في البلاد"
هذا الإدعاء فيه الكثير من التناقضات والمغالطات ويدل على ان النائب لا يفقه شيئا في علم الإحصاء السكاني ، لأنه يفترض توظيف التعداد السكاني بشكله الصحيح بحيث تكون البيانات الداخلة فيه لا تخضع للأهواء السياسية مثلما يريد هذا النائب أن تكون نتائج الإحصاء السكاني مثلما يشتهي هو وليس مثلما تفصح عنها إدخال البيانات من قبل الناس الذين سيتم إحصاءهم ، يريد هذا النائب أن يوهمنا بأن الإحصاء سيغير الموازين ، والصحيح هو أن الإحصاء سيعدل الموازين وذلك من خلال إدخال البيانات بشكلها الصحيح وعندها سنحصل على المعطيات المنطقية الناتجة من تلك المعلومات ،حيث ستتبين المعالم السكانية بشكلها الصحيح وستظهر النسبة الحقيقية للعرب والكرد والتركمان القاطنين في كركوك وفي جميع محافظات العراق .
حتما سيظهر من خلال التعداد السكاني وجود عدد لا بأس به من الكورد في البصرة أو في الكوت على سبيل المثال وأيضا سيظهر الإحصاء السكاني وجود عرب يسكنون في السليمانية واربيل ودهوك ، وسنعرف من التعداد السكاني كم هي نسبة المسيحين في كركوك ونسبة المسيحين في النجف وكربلاء والتي غالبيتها مسلمين ولكن هذا لا يعني عدم وجود مسيحين بالمرة في تلك المدينتين المقدستين ، ونفس الكلام ينطبق على وجود عدد لا بأس به من التركمان في اربيل ولا يمكن ان يتجاهل اي شخص نتائج الإحصاء لو تم العمل عليها بشكل بعيد عن الأهواء السياسية والتعصب الأعمى والجهل بالامكانية العلمية والدور الكبير الذي تقدمه الإحصاءات السكانية للعالم .
الإحصاء السكاني يفترض أن يكون مبني على أسس علمية بعيدة عن النوازع القبلية وليس حسب رغبات البعض من المتعصبين والمتهورين والجهلة والإنتهازيين ، عادة ما يصاحب عملية الاحصاء السكاني ، حملة إعلامية واسعة تهدف الى تثقيف وتنوير الجميع الى أهمية الإحصاء بمختلف فروعة وليس فقط الإحصاء السكاني ، أنا أعتقد من الضروري أن يشارك السياسيون وخصوصا الجهلة والأميين منهم في دورات تثقيفية مكثفة في سبيل إكتساب المعرفة وحتى تكتسب تصريحاتهم النضج وتكون بمستوى المسؤولية وتبنى على حقائق علمية وليس على ترهات كلامية تافهة لا قيمة علمية لها .
سيواجه القائمون على الاحصاء مشاكل فنية كبيرة يجب الاهتمام بها والتحضير لها بشكل جيد ، وهي كيفية إحصاء السكان العراقيين الساكنين خارج العراق ونوعية العوامل التي ستؤثر على طبيعة البيانات وصحتها وكيفية الحصول عليها وجمعها ودرجها في استمارات الأحصاء السكاني .
ايضا من المشاكل الفنية هي تصميم الاستمارة ونوعية المعلومات المطلوب الحصول عليها وهل هي معلومات شاملة ومتكاملة ، إن عملية الإحصاء السكاني تتطلب جهودا جبارة وتعاون جاد من كافة شرائح المجتمع ، فاذا كان نواب في قوائم سياسية أساسية يصرحون بمثل هذه التصريحات الخطيرة وغير المسؤولة مما يؤثر سلبا على سيرعملية الإحصاء السكاني فما بالك بعامة الناس غير القياديين وغير المتعلمين .
على وزارة التخطيط ان تنأى بنفسها عن التدخلات السياسية وأن تبعد جميع العناصر غير الكفؤة وغير المهنية عن هيئاتها ، إن عملية الإحصاء السكاني تحتاج الى كوادر متخصصة ومؤهلة ومدربة تدريبا جيدا ، وأن تكون ذات كفاءة عالية ، بعيدة عن التعنصر والتحزب وتحتاج الى جهود جبارة وتكاتف من جميع فئات المجتمع لإسنادها في سبيل الوصول الى نتائج مقبولة ومطابقة للواقع وأن تكون معطياتها نتائج حقيقية استنادا الى البيانات الصحيحة الداخلة في إستمارات إحصاءاتها .
ضياء السورملي – لندن
kadhem@hotmail.com
24/08/2010