اسم المستخدم

لندن تحترق

في الحادي عشر من اب سنة 1965 وفي مدينة لوس انجلس في اميركا بالتحديد ، استوقفت الشرطة رجلا كان يقود سيارته وهو تحت تأثير الخمر ، كان غضب الشرطة الاتحادية على الرجل والتعرض له والاعتداء عليه بكل بشاعة يرجعنا الى فترة التمييز العنصري ضد السود و ثورة تحريرالزنوج ( العبيد) ، لقد كان العنصر الابيض من الرجال يشكلون النسبة الغالبة للموظفين الحكوميين .

بعد مشاهدة حادثة الاعتداء هذه وتصويرها ونشرها والتي توضح مدى وحشية الشرطة وتجاوزها باستخدام العنف المفرط على الرجل من دون اي مبرر قانوني اثار هذا الاعتداء حفيظة السود الذين شاهدوا الحادث مما ادى الى ان ينتفضوا ضد الشرطة باسلوب لا يزال عالقا في الاذهان حتى بعد مرور ستة واربعين عاما على الحادثة ، كان من نتائج الحدث ان قتل 34 شخصا وجرح 1032 شخصا واعتقل 3438 وقدرت الاضرار باكثر من 40 مليون دولار ودمر او تضرر حوالي 1000 مبنى .

يقول الداعية الاسود مارتن لوثر كنك ، عندما تقطع الامتيازات عن المواطنين ، وتقلل فرص العمل لهم ، وتستغل القوة ضدهم ، وتمارس التمييز وتقود الناس نحو الفقر وتطلق الرصاص عليهم في سبيل قتلهم في الوقت الذي ترفض تقديم اجابات مناسبة او تنشد العدالة لهم ، عند ذلك فان الناس سوف تنتفض وتعبر عن غضبها وتعلن تذمرها اذا ما رفضت السلطات الحاكمة ان تستمع الى مآسي االمواطنين ، عند ذلك فقط ستكون لغة العصيان والشغب هي اللغة السائدة والطاغية للذين لا يريدون الاصغاء .

في لندن تعيد احداث لوس انجلس نفسها اليوم وفي نفس شهر آب / اغسطس سنة 2011 بعد اكثر من خمس واربعين عاما ، عندما اعتدت الشرطة الانكليزية بل اجرمت بحق سائق سيارة الاجرة مارك دوگان ذو البشرة السوداء وصوبت اسلحتها عليه واطلقت عليه النارلتصيبه برصاصتين احدهما استقرت في صدره والاخرى في وجهه ، بحجة واهية انه كان مسلحا ، اثبت التحقيقات المستقلة فيما بعد بطلانها ، لم تكن مصادفة ان يكون الرجل هذه المرة من السود ايضا .

لم تعتذر الشرطة لما حدث لعائلة مارك دوگان بل زادت في غيها عندما اعتدت على المحتجين من أهل الضحية واصدقاءه الذين ذهبوا ليعرفوا حقيقة ما حدث والاستفسار من الشرطة عما حدث لابنهم ، لم تستجب الشرطة لمنطق العقل بل قامت بالاعتداء الصارخ بالضرب من قبل مجموعة من رجالها على شابة هي من اقرباء الضحية . انتشر هذا الحدث انتشار النار في الهشيم ، وعم الغضب الجالية السوداء في لندن وتحقق حرفيا كل ما قاله مارتن لوثر كنك ، حدثت انتفاضة السود في كل انحاء لندن ، حرقت المباني ونهبت وسرقت المحلات الكبيرة . مواجهة عنيقة للشرطة بقوة غير محسوب حسابها و تم خرق القانون بكل مقاييسه من قبل المحتجين .

استمرت الاضطرابات لمدة ثلاث ليالي متتالية في لندن والشرطة عاجزة عن مواجهة المحتجين الغاضبين على تصرف الشرطة العنصري ، اخذت الاضطرابات منحى خطيرا جدا باتت فيه لندن معطلة في الليل والنيران تلتهم المباني في كرويدن مدينة النستلة مثلما يسمونها اهلها ومدينة وزارة الداخلية ودوائر الهجرة ، و حرقت مستودعات كبيرة في بكنهام و مركز لندن و بركستون و ليوشام وفي هاكني وفي ايلنغ وفي هارلزدن ، الشغب عم جميع مناطق لندن والضحايا هم اصحاب المال والمجوهرات والاسواق الكبيرة ذات الاسماء اللامعة مثل دبنهامس وماركس اند سبنسر والمحلات التي تبيع الاجهزة الالكترونية ، كانت موجات النهب تتحرك من منطقة الى اخرى مثل الجراد عندما يهاجم المزارع . زحف شامل وعارم على جميع المناطق وتدمير وتخريب ونهب وحرق كل ما يمر امامهم .

الذعر والخوف والهلع اصاب جميع الناس بشكل عام بسبب الاضطرابات الشاملة التي عمت مدن لندن وباقي ارجاء انكلترا ، والقلق من انتشار وعدم السيطرة على الموقف كان يقلق الكثير ، خصوصا وان سوق المال اضاف عاملا مكملا للفوضى في لندن بعد ان اعلن عن افلاسه كما وان اقتصاد اميركا تراجع بسبب سقف ديونها وان اسهم المواطنين تم كنسها من قبل تجار سوق المال في دول العالم من دون رحمة ، في يوم واحد تم كنس حوالي خمسين بليون دولار من اسهم سوق المال ، وتراجعت اسواق داو جونز وفوتسي واسواق اسيا بنسب مئوية مخيفة ورغم ذلك فان احداث الشغب في لندن طغت على احداث انهيار السوق المالية في كل انحاء العالم . وطغت ايضا على فضيحة التنصت على التلفونات التي كان يقودها طاغوت الاعلام ماردوخ .

اثبتت الاحداث ضعف الشرطة وعجزها امام هيجان المواطنين السود ، والذي يرجع اثره للبطالة العارمة التي تسود اوساط السود بشكل خاص وعموم البريطانيين بشكل عام ، وازدياد حدة الفقر بين اوساط العوائل التي تنحدر للجنس الاسود من افريقيا والكاريبي وتزايد ممارسات الشرطة تجاه الشباب الاسود حيث يتم ايقافهم وتفتيشهم بشكل غيراعتيادي اضافة الى تسريح اعداد كبيرة من العاملين في الوظائف بحجة الترشيق المالي ومحاربة الكساد الحاصل في السوق التجارية مما ولد التذمر الشديد وتراكم الكراهية والنقمة على الحكومة وعلى رجال الشرطة .

هذه الاحداث عملت على اتحاد عصابات الجريمة المنظمة مع بعضها سواء اكانت من الجالية السوداء او من الانكليز البيض بسبب ان عدوهم واحد وهو الشرطة التي تطاردهم لمنع الاتجار بالمخدرات ومكافحة شغب الملاعب الرياضية ومكافحة الجرائم المنظمة مثل التهريب والاتجار بنقل البشر وغسيل الاموال وتزوير العملة وغيرها من الجرائم التي يكون رجال الشرطة فيها عنصر المواجهة مع تلك العصابات التي كانت الى وقت قريب تتحارب مع بعضها البعض .

يذكرنا التاريخ القريب ما حدث في العراق في سنة 2003 عندما حدثت اعمال نهب وسلب منظمة كانت تقودها عصابات الجريمة المنظمة التي لها غطاء دولي ، حدثت في العراق احداث شغب ادت الى النهب والسلب والفرهود كان هدفها الاساسي نهب اثار العراق كلها ونهب الارشيف العراقي والملفات التاريخية العراقية تحت غطاء نهب المحلات وسرقة البيوت ودوائر الدولة وتهديم البنية التحتية للمؤسسات العراقية كلها .
ان ما يحصل في لندن وما حصل في لوس انجلس و العراق و ايرلندة الشمالية في بلفاست و الصومال و كوسوفو وسيراليون هي دروس تطبيقية لنظرية الظلم والاضطهاد والتمييز العنصري الذي تمارسه الحكومات الغاشمة تجاه الشعوب المضطهدة .

ضياء السورملي - لندن
kadhem'hotmail.com
9/08/2011