اسم المستخدم

أحداث زاخو ... نظرة محايدة

ما حدث في مدينة زاخو التابعة الى محافظة دهوك يثير العديد من التساؤلات وعلامات التعجب ، حيث تعتبر مدينة زاخو من الناحية الجغرافية بعيدا عن مركز القرار والاحداث والمؤتمرات السياسية في اربيل عاصمة إقليم كوردستان وكذلك فان مدينة زاخو مدينة حدودية تستقطب العديد من الشاحنات التجارية التي تعبر منها واليها من خلال المعبر الحدودي في ابراهيم الخليل والذي يدر موارد هائلة للاقليم وهي بعيدة عن بغداد ولا تتأثر بالمفخخات والقتل بكاتم الصوت الذي اصبح ظاهرة في العراق الحديث .

التساؤلات تاتي من اهل المنطقة قبل غيرهم ، لماذا انطلقت هذه الشرارة من زاخو ، ولماذا جاءت في هذا الوقت ومن المسؤول عن التحريض عليها ، هل كانت الاحداث عفوية ام منظمة ومخطط لها بشكل مسبق ومن هي الجهات التي لها مصلحة في مثل هذه الاحداث وما هي الدوافع وراءها .

بدأت شرارة الاحداث في مطلع شهر ديسمبر/ كانون الاول سنة 2011 ، عندما ألقى احد خطباء المساجد كلمته في خطبة الجمعة ، حيث أبدى هذا الخطيب تذمره من وجود مركز خدمي لعمل المساج في موقع قريب من المسجد ، كان الاعتقاد السائد هو ان هذا المركز الخدمي قد حول خدماته من المساج الى الدعارة مما أثار حفيظة أهالي المنطقة وتذمرهم ، وربما لعبت الاقاويل والشائعات في تضخيم عمل هذا المركز الخدمي للمساج .

انطلقت شرارة الهجوم على مبنى المساج بعد إثارة حماس المصلين عاطفيا من خلال خطب نارية تحولت الى هتافات وصياح وعياط وشعارات وفوضى بين المصلين مما جعلهم يعتقدون ان عليهم ان يطبقوا شريعة معتقداتهم رغم أنف السلطات القانونية وعليهم ان يحملوا القانون على اكتافهم ويطبقون ما يعتقدون به باسلوب شريعة الغاب والهجوم الهمجي وحرق المباني والممتلكات من دون التفاهم المسبق حتى مع صاحب المركز الخدمي للمساج ، فكانت المفآجأة هي الهجوم على مبنى تقديم خدمات المساج وحرقه وتدمير كل ممتلكاته وانتقل الحماس الى حرق مباني اخرى سياحية تدر على المنطقة بمردود اقتصادي جيد مثل الفنادق والمطاعم السياحية وبعد ذلك توسع الهجوم ليشمل أماكن بيع المشروبات الكحولية والتي تعمل باجازة حكومية وتصريح من السلطات المحلية .

ثم انتقلت الاحداث بسرعة الى بقية المدن مثل سميل ودهوك وسط دهشة قوات الشرطة التي لم تكن مستعدة لمواجهتهم بسبب عنصر المفآجأة التي حصلت لهم وعدم استعدادهم لمثل هذه المواجهة بسبب طبيعتها الغريبة ، حيث ان العديد من هذه المحلات والمطاعم السياحية كانت تعمل من دون مضايقات منذ عقود طويلة وخصوصا اماكن بيع المشروبات الكحولية والتي تشير الدلائل الى ارتياد عدد كبير من الاهالي لشراء ما يبيعونه .

السؤال المطروح ، هل هناك جهة معينة وقفت خلف هذه الاحداث ؟ وهل هي جهات خارجية ام هي جهات محلية داخلية ، ام هي جهات مخربة وارهابية ، الجواب على هذه التساؤلات هو نعم هناك جهات داخلية وخارجية ومدعومة لخلق الفوضى في مدن الاقليم . حيث حصل رد فعل مباشر بعد هذه الاحداث وتم حرق مقرات احزاب اسلامية مدعومة من دول خارجية وتمويلها يعتمد كليا على ما تقوم به تلك الدول ، حيث اصبح عملهم ناشطا في اقليم كوردستان بشكل كبير ولهم عدد كبير من المقاعد في برلمان اقليم كوردستان .

الذي سهل هذا الاتهام هو انطلاق الاحداث من مسجد في مدينة زاخو وأثناء خطبة صلاة الجمعة . في الوقت الذي رد الحزب الاسلامي الاتهامات الموجهه له مطالبا بتحرير اعضاءه المعتقلين بعد الاحداث . واعتبر ان هذه الاحداث استغلت للنيل من نشاطاته وحرق مقراته بسبب تعاظم نفوذه ومنافسته للاحزاب الرئيسة مثل الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكوردستاني اللذان بيدهما مقاليد السلطة في اقليم كوردستان . وهناك من يدعي ان نشطاء من اعضاء الحزب كان لهم دورا في عملية التخريب وحرق المباني وتحت انظار رجال الامن والسلطة القانونية من الشرطة المحلية .

من جهة اخرى اثارت هذه الاحداث مخاوف الاقليات الاثنية من الاشوريين والكلدانيين والأيزيدين واعتبروا هذه الاحداث بمثابة دق ناقوس الخطر عليهم وعلى اعمالهم وتجارتهم في المجالات السياحية والترفيهية واعتبروا ما حدث هو امتداد للهجمات التي لاحقتهم في مدن مهمة مثل بغداد والموصل حيث تم حرق كنائس المسيحيين واغتيال العديد من الشخصيات الذين يعتنقون الديانة المسيحية والأيزيدية خصوصا وان هجمات طائفية وعنصرية قد حدثت لهم مما اضطرهم للهجرة الى اقليم كوردستان والى خارج العراق في سبيل النجاة من تلك المضايقات والاعتداءات العنصرية بحقهم .

من التساؤلات المهمة التي تشغل بال المواطن الكوردي وغير الكوردي في الاقليم وكذلك علامات التعجب التي واجهت المسؤولين في القيادات الكوردية ، لماذا حدثت احداث الشغب وانتشارها بهذه السرعة في مناطق عديدة من الأقليم ، لماذا يتم الاعتداء على ممتلكات الآخرين ونهبها . هل هذه الأحداث هي ردة فعل المواطن العادي للانتقام من السلطة ومعاقبتها بسبب اهمالها لهم ؟

وبنفس الوقت وضعت هذه الاحداث المثيرة ، القيادات الكوردية في موضع الحيرة بسبب عنصر المآجأة التي حصلت فيها الاحداث مما جعلتهم يعيدون حساباتهم المستقبلية من ان اي شرارة جماهيرية من الممكن ان تربك الوضع الامني وعليهم اعادة حساباتهم بشكل اكثر دقة ، علما بان احداث السليمانية وحركة كوران كانت درسا سابقا مهما وكذلك احداث سرسنك في السنوات الماضية ايضا تمثل تجربة قاسية للقيادات الامنية .

في سبيل معالجة مثل هذه الحالات ولكي نتجنب حدوث شرخ في العلاقات بين مكونات الاقليم الاثنية والعرقية يتوجب العمل بشكل جماعي من اجل نشر ثقافة الوعي الجماهيري للتعايش السلمي وكذلك توزيع الثروات والمناصب الحكومية بشكل يحقق تكافؤ الفرص للجميع .

ان استيلاء فئة صغيرة على جميع مقاليد الاقتصاد والثروات في الاقليم يتسبب في ردود افعال سلبية تؤدي في حالة اشتعال فتيلها الى فوضى عارمة مثلما حصل في بغداد وبقية محافظات العراق من حملات الفرهود بعد سقوط حكومة بغداد في سنة 2003 ، السبب هو رغبة الجماهير بالانتقام من السلطة بسبب طغيانها وظلمها . لذا يتوجب على القيادات الكوردية ان تدرس اسباب الانتفاضات وحالات الفرهود والفوضى التي حدثت في مناطق وبلدان اخرى ودراستها وتحليلها بشكل جيد والتعرف على اسبابها ومحاولة تجنب عوامل اثارة الفتن والشغب وتحقيق الحد الادنى من متطلبات العيش الكريم للمواطنين وعدم تجاهل طلبات الجماهير حتى لا تحدث شروخ فكرية بين مكونات المجتمع تشعر من خلال التعامل معها بانها تعاني من الدونية والتحقير من قبل بعض العوائل الثرية الحاكمة .

في لقاءه باساتذة الجامعة في دهوك في يوم الجمعة المصادف 23 ديسمبر / كانون الاول 2011 تحدث السيد مسعود البارزاني رئيس اقليم كوردستان عن احداث زاخو واستعرض هذه الاحداث بروية وحكمة وعبر عن عزمة على فرض القانون من قبل رجال القانون واعطائهم صلاحيات اوسع لحماية ممتلكات المواطنين ، وان ياخذ القضاء حدوده في معاقبة الجناة والخارجين عن القانون والذين يحاولون استغلال الفرص للهجوم على الاقليات والاثنيات العرقية مشددا على ضرورة التعايش بين مكونات الشعب. كما واكد السيد مسعود ان الصراعات في كوردستان كانت دوما من اجل حقوق الشعب الكوردي وكانت كلها نضالات من اجل الحصول على اعتراف كامل بحقوق الشعب الكوردي بكل مكوناته ولم يكن هناك يوما صراعا بين الاقليات التي كانت تعيش بكل تآخي مع بعضها البعض وكانوا جميعا يحاربون في خندق واحد .

من المؤسف ان يعمل البعض على تحويل التنافس السياسي بين المكونات السياسية الى صراع طائفي واثني بين مكونات الاقليم ومحاولة فئة صغيرة مراهقة وليست واعية بالهجوم على ممتلكات الاخرين وسرقتها ونهبها بحجة او اخرى .

ان نعمة الامن والاستقرار هي دالة مهمة في تقدم اقليم كوردستان وعلى الجميع المحافظة على ديمومة استمرار السلم والتعايش السلمي وزيادة الوعي ونشر ثقافة حقوق الانسان وحدود وصلاحيات الفرد في المجتمع في سبيل منع ظاهرة الفساد الاجتماعي والقضاء على مظاهر التخلف والتعصب الديني والتطرف السياسي وايضا علينا العمل على هدم الكيانات الاقطاعية العائلية التي تحاول فرض اتاواتها على مكونات الشعب وعلى الحكومة وعلى راسهم السيد مسعود البارزاني قيادة ثورة داخلية لتغيير الواقع الاداري والقضاء على الفساد المستشري في دوائر الدولة و تقليم اظافر الفئات الطفيلية التي تحاول العبث بقدرات الشعب ونهب ثرواته بحجة الالقاب العشائرية والنفوذ الوهمي الذي يحمل خلف طياته تخلفا وتعصبا يخالف مقومات الحياة السوية .

ضياء السورملي - دهوك
kadhem@hotmail.com
5/01/2012