اسم المستخدم

التسول السياسي

التسول في حد ذاته ظاهرة اجتماعية ، تنتشر في معظم الدول المتقدمة والمتخلفة ، الفقيرة منها والغنية . في الدول المتقدمة يكون المتسولون من الفئات المتخلفة التي لا تقوى على منافسة التقدم فتبدأ بالتسول وتكون هذه الفئات المتسولة متخلفة في كل شئ الا التسول فانها متقدمة بشكل غير طبيعي من حيث فنون التسول ، اما في الدول المتخلفة فان المتسولين هم الفئة الذكية التي تستغل تخلف المجتمع فتشمر عن ساعدها لتبرز عضلاتها في كيفية التسول ، من خلال بتر الأعضاء او خلق عاهة مستديمة او عاهة مصطنعة .

في بلد مثل الهند متقدم في كثير من النواحي العلمية والأنسانية والديمقراطية ، ولكنها فقيرة قياسا الى مؤشرات الغنى والفقر في العالم نشاهد ان المتسول الهندي يعتمد على استخدام العاهات البدنية مثل الجذام والأطراف المبتورة لكي يتفنن في تعاطي الصدقة والتسول حتى من الناس الذين هم افقر منه ماديا .

اما في مجتمعنا العراقي، البلد النفطي وفي معظم المجتمعات النفطية المشابهه لبلدنا فان التسول ياخذ منحى اخر ، منحى الرشوة ، ومنحى الواسطة في التعيين ومنحى الزيارات الى بيوت المسؤولين مصحوبين بالخراف .

اتذكر يوما احد اصدقائي طلب منى ان نزور مدير دائرته في بيته ، وافقته للذهاب معه ، وفي الطريق طلب مني ان نذهب الى سوق الغزل لشراء ديك هراتي الى المدير المحترم ، فقلت له ولماذا تشتري له ديك من النوع الهراتي ، هل كلفك بذلك ، ضحك صاحبي وقال لا ، انها هدية العلاوة التي سيوقعها مديري المحترم الذي يموت على الديكة الهراتي ، عنده حديقة وفيها يربي الدجاج ودجاجاته بحاجة الى ديك هراتي لكي تنتج له البيض الملقح الحلال .

والكل يعرف سالفة عزائم مسوؤلينا وحكاية الفسنجون التي ذكرها بريمر في كتابه عامي في العراق ، حيث ذكر ان المسؤولين العراقيين اشبعوه عزائم الدولمة والبرياني والفسنجون حتى انه لم يتردد من ذكرها في كتابه الذي فضح به مسؤولينا وهرولته الى كراسي الحكم في زمنه . ويعرف الكثير منا حكاية العم الحاكم وسوالف جدتي حول الديك الرومي المنفوش والمحشى والذي يتنقل على موائد القادة العظام في كل زمان ومكان .

كانت والدتي اذا زارت احد المراقد تاخذ معها دجاجتين وتسلمهما الى اقرب معمم او رجل دين يلبس الفينة ، سالتها ذات يوم لماذا تعطهم الدجاج فقالت حتى تكون زيارتنا للمراقد بعيدة عن مضايقاتهم وملاحقاتهم لنا داخل المراقد ، انهم يتسولون من الزائرين بحجة دفع النذور ، انهم جماعات ذات حلقات منظمة في داخل الاضرحة والمراقد المقدسة .

متسولونا في العراق من النوع النظيف ، يعني ملابسهم ليست من النوع القديم الذي يعود تاريخة الى العصور الوسطى ، انهم يلبسون احلى الملابس ، يلبسون ملابس رجال الدين ، ويحملون احلى الالقاب مثل لقب بحر الحلقوم ، وابو الخرق ، وابو البسامير ، وبعض المتسولين اعضاء في البرلمان يزورون هذا المرجع الديني وذاك المسؤول الاميركي لكي يحصلوا على مباركتهم في عملية التسول اليومي للبقاء في المنصب او في نهب ممتلكات الشعب

في حكومتنا متسولون سياسيون يعرفون كيف يأكلون كل ما موجود على طاولة العزائم ، من دون ان يشاهدهم احد ، انهم بعيدون عن الكاميرات ، في برلماننا اعضاء متسولون لم يداوموا ولا يوم واحد ولكنهم يحصلون على رواتبهم كلها من دون نقص . في حكومتنا زعماء ياكلون البعير بلعا من دون مضخ ، عندنا زعماء متسولون صار كيسهم الذي يحملونه على ظهرهم ثقيلا بحيث اعوج ظهرهم من حمل اثقال مال التسول الحرام ، وصارت بطونهم متقدمة الى الامام بمقدار التقدمية التي تكلموا عنها حتى صارت اقدامهم لا تحملهم وصارت تأن من الالم .

يحكى ان رجلا كان يتسول من فترة طويلة وكان يحتكر منطقة واسعة له ويمنع اي متسول من ان يقترب من مملكة التسول الذي هو فيها ، لقد كانت عنده سلطة وافراد يشغلهم معه في التسول ، بمرور الزمن كبر اولاده وكبرت بناته وكانوا دائما يقولون له ان يتوقف عن تعاطي التسول ، كان ينهرهم ويقول لهم لولا اموال التسول لما وصلتم الى ما انتم عليه اليوم من شهادات ووظائف . مرت الأيام وتكررت مطالب الأبناء من والدهم بان يتوقف ولكن لم تنفع كل توسلاتهم له ، حتى جاء يوم واذا بالأب يبكي بحرقة وألم وبشكل مستمر ، جاءه الأبن الاكبر وهو طبيب معروف في البلد ، وقال له يا والدي لماذا تبكي ، لم يرد عليه الأب ، قال له يا والدي لقد طلبنا منك اكثر من مرة ان تتوقف عن التسول ، نحن لسنا بحاجة الى اموال ، هنا توقف الأب عن البكاء ومسح دموعه ونظر الى ابنه قائلا له ، انا لم ابك في حياتي على شئ ، ولكنني ابكي اليوم على تلك الايام التي فاتني التسول فيها ، لقد كنت غبيا جدا حيث لم اتسول من وقت مبكر .

هذه الأيام ان متسولينا من السياسيين يبكون على تلك الايام التي لم يتسولوا بها ، انهم يلطمون على صدروهم ويضربون القامة والزنجيل لانهم كانوا نائمين ولم يتسولوا من فترة مبكرة في حياتهم ، انها الأموال تاتيهم من كل حدب وصوب بسبب عاهاتهم السياسية ، صاروا متخومين باموال التسول والشحاذة السياسية ، صاروا في اعلى الهرم الحكومي بسبب التسول ، اما الشعب فانه يعاني من امر هؤلاء المتسولين الذين يبرزون عاهاتهم واطرافهم المبتورة في كل يوم .

برلمانية عجوز شمطاء تعتقد انها صارت محترمة جدا بسبب تسولها اليومي من اصحاب العمائم ومن الجحوش اصحاب الشراويل العريضة ، ومن اصحاب القبعات العريضة في الدول الأوربية ، تعتقد انها صارت مهمة وان الناس سوف يحترمونها كلما بكت واجهشت بالبكاء بحجة مظلومية شريحتها ، حتى صار الناس يضحكون عليها كلما بكت ، ويرمون عليها أشد التعليقات. ان دموعها هي دموع الكتاكيت وليست دموع التماسيح . يوجد فرق بين متسول دعي وبين الأم تيريزا التي ضحت بحياتها كلها في سبيل خدمة الفقراء ، هناك فرق بين جمع المال لكي تصبح اشقر الشعر وبين جمع المال لتنشر البسمة على الوجوه الصفر .

عندما تصبح المتسولة راقصة ، تطرب القوم برقصها على معزوفات المظلومية والتسفيرات والتهجير ، تمسك بيديها ملفات حمراء وصفراء ، تقول ان هذه هي ملفات اطفال يتامى ، والحقيقة هي قوائم باسماء الذين تبرعوا لها بسببب بكائها وتوسلها بفلان وعلان هنا يصبح التسول فن وذكاء لاستغلال الناس البسطاء والناس المظلومين مثلما يفعل المتسولون في الهند . ان الزمن سيفضح المتسول حتى ياتي اليوم الذي يعترف بانه يريد ان يكون متسولا طول حياته وانه يبكي على الايام التي لم يتسول فيها .

ويبقى شئ واحد مهم ، ان كل متسول هو سارق ، وان المتسول هو سارق ولص محترف وكل من تسول له نفسه ان يصبح متسولا فانه يتعلم شيئا فشيئا سقوط كرامته حتى يصبح مبتذلا وحتى يصبح عديم الخلق والاخلاق ومن يفقد هذه الصفات يكون لصا محترفا وان اللصوصية هي سرقات والسرقات هي جرائم مخلة بالشرف .

أليس من حقنا ان نسال هل ان الحاكمين على مقدرات بلدنا والمتسلطين على رقاب شعبنا هم ساسة حرامية ومتسولون ؟ نترك الجواب للشعب لكي يكشف سجلات سرقاتهم واموال تسولهم .

ضياء السورملي – لندن
kadhem@hotmail.com