رحل الشاعر الكبير نزار قباني قبل عشرة اعوام ، توفي في لندن في الثلاثين من ابريل / نيسان 1998 ، ترك لنا الشاعر الراحل سفرا كبيرا من اشعاره المنوعة .
ولد نزار قباني في سنة 1923 في الحادي والعشرين من اذار / مارس في دمشق في منطقة تدعى مئذنة الشحم ، وكانت اسرته من الاسر الميسورة الحال وكان والده السيد توفيق قباني يمتلك محلا لصنع الحلويات .
درس نزار قباني القانون وتخرج من كلية الحقوق في جامعة دمشق وبعد تخرجه مباشرة عمل في السلك الدبلوماسي واستمر العمل في السلك الدبلوماسي لمدة واحد وعشرين عاما حيث عمل نزار قباني في السلك الدبلوماسي في دول عديدة منها بيروت والقاهرة وانقرة ولندن وبكين ومدريد .
حيث قدم استقالته من السلك الدبلوماسي بسبب كتابته لقصيدة اثارت الجدل والمناقشات الحادة قدم على اثرها استقالته في سنة 1966 من السلك الدبلوماسي ليتفرغ للشعر بشكل كامل مبررا استقالته من وزارة الخارجية بحجة التفرغ لكتابة الشعر وممارسة حريته بشكل مطلق .
اشتهر نزار قباني بقصائده التي تغازل المرأة ، خاطب المرأة بعذوبة الانسان المدني المتحضر والتي تختلف عن خشونة البدوي وصلافته كما مزج بين جسد المرأة والسياسة وفصل بينهما حينما يتطلب الفصل
يقول في قصيدته متى يعلنون وفاة العرب
رحلت جنوبا ..
رحلت شمالا ..
ولا فائدة
فقهوة كل المقاهي لها نكهة واحده ..
وكل النساء لهن – اذا ما تعرين
رائحة واحده ..
وكل رجال القبيلة لا يمضغون الطعام
ويلتهمون النساء بثانية واحدة !!
أحاول ، مذ كنت طفلا ،
قراءة اي كتاب
تحدث عن انبياء العرب
وعن حكماء العرب
وعن شعراء العر ب
فلم ار الا قصائد تلحس رجل الخليفة
من اجل حفنة رز ..
وخمسين درهم ..
فيا للعجب ..
ولم ار إلا قبائل ..
ليست تفرق ما بين لحم النساء ..
وبين الرطب ..
فيا للعجب !!
ولم ار إلا جرائد تخلع اثوابها الداخلية ..
لأي رئيس من الغيب يأتي ..
واي عقيد على جثة الشعب يمشي ..
واي مرآب يكدس في راحتيه الذهب ..
فيا للعجب !!
يقول الشاعر نزار قباني واصفا مسلسل الرعب في الوطن العربي
أيا وطني ..
جعلوك مسلسل رعب ..
نتابع احداثه في المساء
فكيف نراك اذا قطعوا الكهرباء ؟؟..
ترك لنا نزار قباني دواوين شعرية عديدة منها طفولة نهد ، سامبا ، حبيبتي ، الرسم بالكلمات ، هوامش على دفتر النكسة ، الممثلون ، افادة في محكمة الشعر ، أشعار خارجة على القانون .
كما شاعت اشعاره من خلال المطربين واصبحت اشعاره يغنيها نجوم المطربين مثل عبد الحليم حافظ عندما غنى قصيدة رسالة من تحت الماء وقارئة الفنجان وغنت له المطربة نجاة الصغيرة رائعتها ايظن ، وماذا اقول له كما غنت له فيروز لا تسألوني ما اسمه حبيبي ، وغنت له فائزة احمد وماجدة الرومي ومن العراق غنى له كاظم الساهر .
أثرت في حياة نزار قباني حوادث ماساوية انعكست في شعره منها وفاة اخته الصغرى وصال وهي ما زالت في ريعان شبابها حيث اصيبت بمرض القلب كما توفي ابنه توفيق من زوجته الاولى حيث توفي وعمره لم يتجاوز سبعة عشر عاما ووفاة والدته حيث كان يعشقها وكانت والدته هي مثال النساء وايضا فشل زواجه الاول من ابنة عمه ومقتل زوجته الثانية بلقيس الراوي في حادث تفجير السفارة العراقية ببيروت عام 1982
كانت احداث هزيمة العرب عام 1967 بمثابة الصاعقة التي هزت كيان نزار قباني مما جعله يتحول من القصائد الغنائية والقصائد التي تخاطب نهد المرأة وجسدها ليتحول الى السياسة . من قصائدة الشهيرة قصيدته خبز وحشيش وقمر وهذه القصيدة هي التي جعلته يستقيل من وظيفته الدبلوماسية حيث اثارت جدلا في البرلمان السوري في حينها ،
كتب نزار قباني مخاطبا السلطان
يا سيدي السلطان
لقد خسرت الحرب مرتين
لان نصف شعبنا ليس له لسان
ما قيمة الشعب الذي ليس له لسان ؟
لان نصف شعبنا محاصر كالنمل والجرذان
في داخل الجدران
ويقول نزار قباني في قصيدته هوامش على دفتر النكسة
جلودنا ميته الاحساس
ارواحنا تشكو من الافلاس
ايامنا تدور بين الزار والشطرنج والنعاس ..
هل ( نحن خير امة اخرجت للناس ) ؟؟
ومن روائع نزار قباني هي قصيدته التي يهجو بها صدام حسين ويكسر الطوق الذي ضربه طاغية عتيد بكل ما كان يملك من جبروت ، الا ان نزار قباني كان اشجع من كل الطغاة وخرج علينا بقصيدة رائعة سميت بالقصيدة الممنوعة حيث يقول فيها
مضحكة مبكية معركة الخليج
فلا النصال انكسرت على النصال
ولا الرجال نازلوا الرجال
ولا رأينا مرة آشور بانيبال
فكل ما تبقى لمتحف التاريخ
اهرام من النعال !!
***
من الذى ينقذنا من حالة الفصام؟
من الذى يقنعنا بأننا لم نهزم؟
ونحن كل ليلة
نرى على الشاشات جيشا جائعا وعاريا...
يشحذ من خنادق العداء
(ساندويشة)
وينحنى .. كى يلثم الأقدام !!
***
لا حربنا حرب ولا سلامنا سلام
جميع ما يمر فى حياتنا
ليس سوى أفلام
زواجنا مرتجل
وحبنا مرتجل
كما يكون الحب فى بداية الأفلام
وموتنا مقرر
كما يكون الموت فى نهاية الأفلام !!
***
لم ننتصر يوما على ذبابة
لكنها تجارة الأوهام
فخالد وطارق وحمزة
وعقبة بن نافع
والزبير والقعقاع والصمصام
مكدسون كلهم.. فى علب الأفلام
***
هزيمة .. وراءها هزيمة
كيف لنا أن نربح الحرب
إذا كان الذين مثلوا
صوروا .. وأخرجوا
تعلموا القتال فى وزارة الاعلام !!
***
فى كل عشرين سنة
يأتى إلينا حاكم بأمره
ليحبس السماء فى قارورة
ويأخذ الشمس الى منصة الاعدام!
***
فى كل عشرين سنة
يأتى إلينا نرجسى عاشق لذاته
ليدعى بأنه المهدى .. والمنقذ
والنقى .. والتقى.. والقوى
والواحد .. والخالد
ليرهن البلاد والعباد والتراث
والثروات والأنهار
والأشجار والثمار
والذكور والاناث
والأمواج والبحر
على طاولة القمار..
فى كل عشرين سنة
يأتى إلينا رجل معقد
يحمل فى جيوبه أصابع الألغام
***
ليس جديدا خوفنا
فالخوف كان دائما صديقنا
من يوم كنا نطفة
فى داخل الأرحام
***
هل النظام فى الأساس قاتل؟
أم نحن مسؤولون
عن صناعة النظام ؟
***
ان رضى الكاتب أن يكون مرة .. دجاجة
تعاشر الديوك أو تبيض أو تنام
فاقرأ على الكتابة السلام !!
***
للأدباء عندنا نقابة رسمية
تشبه فى شكلها
نقابة الأغنام !!
***
ثم ملوك أكلوا نساءهم
فى سالف الأيام
لكنما الملوك فى بلادنا
تعودوا أن يأكلوا الأقلام
***
مات ابن خلدون الذى نعرفه
وأصبح التاريخ فى أعماقنا
اشارة استفهام !!
***
هم يقطعون النخل فى بلادنا
ليزرعوا مكانه
للسيد الرئيس غابات من الأصنام !!
***
لم يطلب الخالق من عباده
أن ينحتوا له
مليون تمثال من الرخام !!
***
تقاطعت فى لحمنا خناجر العروبة
واشتبك الاسلام بالاسلام
***
بعد أسابيع من الابحار فى مراكب الكلام
لم يبق فى قاموسنا الحربى
إلا الجلد والعظام
***
طائرة الفانتوم
تنقض على رؤسنا
مقتلنا يكمن فى لساننا
فكم دفعنا غاليا ضربة الكلام
***
قد دخل القائد بعد نصره
لغرفة الحمام
ونحن قد دخلنا لملجأ الأيتام !!
***
نموت مجانا كما الذباب فى افريقيا
نموت كالذباب
ويدخل الموت علينا ضاحكا
ويقفل الأبواب
نموت بالجملة فى فراشنا
ويرفض المسؤول عن ثلاجة الموتى
بأن يفصل الأسباب
نموت .. فى حرب الشائعات
وفى حرب الاذاعات
وفى حرب التشابيه
وفى حرب الكنايات
وفى خديعة السراب
نموت.. مقهورين .. منبوذين
ملعونين .. منسيين كالكلاب
والقائد السادى فى مخبئه
يفلسف الخراب !!
***
فى كل عشرين سنة
يجيئنا مهيار
يحمل فى يمينه الشمس
وفى شماله النهار
ويرسم الجنات فى خيالنا
وينزل الأمطار
وفجأة.. يحتل جيش الروم كبرياءنا
وتسقط الأسوار !!
***
فى كل عشرين سنة
يأتى امرؤ القيس على حصانه
يبحث عن ملك من الغبار
***
أصواتنا مكتومة .. شفاهنا مكتومة
شعوبنا ليست سوى أسفار
ان الجنون وحده
يصنع فى بلاطنا القرار
***
نكذب فى قراءة التاريخ
نكذب فى قراءة الأخبار
ونقلب الهزيمة الكبرى
الى انتصار !!
***
يا وطنى الغارق فى دمائه
يا أيها المطعون فى ابائه
مدينة مدينة
نافذة نافذة
غمامة غمامة
حمامة حمامة
رحل عنا نزار قباني في يوم الخميس المصادف 30 ابريل / نيسان 1998 في لندن وتمت مراسيم الصلاة عليه في المسجد الكبير في لندن في ريجنت بارك وقد حضرلتأبينه عدد كبير من محبيه وانصاره ومؤيديه والمعجبين به ، ثم نقل جثمانه حسب وصيته التي طلب فيها ان يدفن في مقبرة اسرته في دمشق ، ومما جاء في وصيته وهو يتكلم فيها عن مدينة دمشق بانها الرحم الذي علمني الشعر ، وعلمني الابداع واهداني ابجدية الياسمين ، وهكذا يعود الطائر الى بيته والطفل الى صدر امه .
رحل عنا نزار وترك احبابه ومحبيه وترك الوطن والاوطان التي مر بها وعاش بها تدور في فلك الحروب ، لم يتغير الملوك ولا الرؤساء العرب ولا غيرهم .
سيبقى نزار قباني هامة عالية بين الشعراء وفيلسوفا سطر فلسفته في كلمات معبرة وصادقة ومعطرة بالرقة ، ومثلما كان رقيقا برقة النهد وانامل المراة كان نزار سياسيا جبارا بقامته وهامته وفكره عاليا ولم يخضع ولم يتنازل ، كان جبلا شامخا وكان شلالا هادرا وكان سهلا منبسطا وكان نهرا جاريا ، كان الخير والمحبة وكان الرحمة والحب والدفء والحنان ، كان الرقة والدبلوماسية والشفافية ، كان الشعر والالهام كان نزار هو النزر النادر في كوكبة الشعراء
ضياء السورملي – لندن
kadhem@hotmail.com