النفط والماء والفقراء

ان تزايد اسعار النفط بشكل مضطرد ومن دون توقف في العديد من دول العالم جعل العديد من رؤساء الدول ان يفكروا بالاجتماع في السعودية وبحضور قادة الدول المصدرة للنفط لتداول هذه المسالة المهمة والحيوية التي اثرت على قطاعات واسعة وكبيرة ومهمة في انحاء كبيرة من ارجاء المعمورة .

انعقد مؤتمر قمة الدول المصدرة للنفط في السعودية وحضرها العديد من المسؤولين في الدول الصناعية الكبرى ومن ضمنهم رئيس وزراء بريطانيا الذي ذهب الى السعودية ليس من اجل مناقشة اسعار النفط وانما من اجل الحصول على اموال سعودية لاستثمارها في مشاريع بدائل الطائقة وخصوصا بناء وتجديد المفاعلات النووية والتي تنوي بريطانيا جلب الاستثمارات السعودية واموال الخليج من اجل الاسهام في تنفيذها .

لم تنجح قمة السعودية في خفض الاسعار رغم وعد المملكة العربية السعودية بزيادة انتاجها النفطي بحدود نصف مليون برميل يوميا اعتبارا من شهر تموز بحيث تكون الزيادة على دفعتين تبدا الدفعة الاولى بحدود مائتين الف برميل يوميا .

عوامل عديدة اثرت وتؤثر على زيادة اسعار النفط وتجعلها لا تتوقف ، حيث يتوقع الخبراء ان يصل سعر برميل النفط الى مستوى مائتين دولار للبرميل الواحد ، ان هذه التوقعات مستندة على عوامل ومؤشرات مدروسة تسببت في زيادة اسعار النفط ، ومن اهم هذه العوامل هو الزيادة المضطردة في استهلاك النفط من قبل الدول الصناعية الكبرى مثل الصين والهند ومنافستها للولايات المتحدة الاميركية والدول الصناعية الاوربية في استهلاكها للنفط الخام .

وهناك اسباب اخرى تقنية منها توقف انتاج النفط في نايجيريا بسبب هجوم المليشيات على مواقع انتاج النفط ومنع العاملين من شركات النفط الاجنبية مثل شركة شل وتوتال من الاستمرار بعملية الانتاج في الحقول النفطية منذ سنة 2006 والذي تسبب في تقليل انتاج النفط الخام بشكل كبير والذي يمول الدول الافريقية بشكل رئيسي ، وايضا بسبب توقف صادرات النفط عن طريق كردستان بسبب المشاكل بين تركيا وحكومة اقليم كردستان والتوتر الحاصل في المنطقة وتفجير انابيب النفط في مرات عديدة حيث اثرت بشكل سلبي على تدفق النفط بشكل انسيابي من حقول النفط في كركوك .

ومن الاسباب المهمة هي الكوارث الطبيعية التي حدثت ومتوقع حدوثها في العديد من مناطق العالم مثل الصين واليابان واميركا وما حصل فيها من حرائق واعاصير وكوارث طبيعية مدمرة ادت الى زيادة الاستهلاك البشري للطاقة . ان ارتفاع اسعار النفط والطاقة أدى الى تفجير الاسعار في مرافق عديدة واثرت هذه الزيادة على قطاعات واسعة تعتمد في عملها اليومي والانتاجي على النفط وان زيادة الاسعار جعل مناطق واسعة من العالم تهوي الى حافات مخيفة نحو حافة الفقر ، واول من تأثر بهذه الزيادة هم صيادو الاسماك واصحاب القوارب وسائقوا الشاحنات والمركبات والعجلات وتاثرت بهذه الزيادة مصانع الانتاج في كل دول العالم ، هذه الزيادة خلفت وستخلف انهيارات واضحة في مجمل العملية الاقتصادية في العالم ، وربما تقود الى الكارثة اذا لم يتم السيطرة على مقياس الزيادة الحاد في اسعار النفط .

ان مؤتمر السعودية لم يفعل الكثير من اجل كبح جماح الاسعار ، لان السياسة الاقتصادية الاميركية والتكتلات المسيطرة على العرض والطلب في السوق العالمية والكارتل المؤثر لا تستطيع ان تؤثر عليها قمة طارئة مثل قمة السعودية . اذا لم تتحرك الصين والهند واليابان واندونيسيا وماليزيا والدول المستهلكة للنفط من الحد من استخدامها للنفط او استخدام بدائل للطائقة تعوض عن استخدام النفط مثلا استخدام السيارات التي تعمل على الكهرباء او تشغيل محطات الطاقة النووية للاغراض السلمية بشكل اوسع .

ان مراجعة بسيطة للزيادة الحاصلة في اسعار النفط سنجد انها قد تزايدت بحدود خمس مرات منذ سنة 2000 ولحد الان حيث كان معدل سعر البرميل الواحد بحدود خمسة وعشرين دولارا اما اليوم فهو يقترب من سعر 140 دولارا للبرميل الواحد ومن المحتمل ان يصل سعر النفط الى مستوى قياسي بحدود 200 دولار للبرميل الواحد حسب توقعات الخبراء والاقتصادين والمراقبين لحركة السوق النفطية .

عامل مهم وفعال جدا في التاثير على زيادة اسعار النفط هي فرض الحصار الاقتصادي على ايران وكذلك الحرب الكلامية والتهديد والوعيد لضرب المفاعلات النووية الايرانية وتهديد اسرائيل بالقيام بعمل فعال ومؤثر لضرب المفاعلات النووية الايرانية وكذلك رد ايران بالرد بالمثل وبقوة على اي تهديد اميركي او اسرائيلي لضرب مفاعلاتها النووية او مرافقها الاقتصادية ، تسبب في تصاعد ازمة الوقود وزيادة اسعار النفط حيث اصبحت السوق غير مستقرة وغير آمنة من حيث الامدادات النفطية ، علما بان ايران تعتبر من الدول المهمة المصدرة للبترول ، وان اي خلل في انتاجها النفطي سيتسبب في حدوث كارثة اقتصادية لها حساباتها الكبيرة .

واخيرا فان المضاربات التجارية والاقتصادية في اسواق النفط وهيمنة كبار التجار على هذه التجارة والتلاعب بمقدرات السوق في محاولة منها للضغط السياسي على بعض الدول ومحاولة التاثير عليها سياسيا واقتصاديا تلعب دورا مهما في زيادة اسعار النفط ، حيث ان الحرب الباردة لا زالت قائمة بشكل مباشر وغير مباشر من خلال حرب النفط والغاز والمعادن المهمة مثل اليورانيوم والبوتاسيوم والفحم والذهب .

بقي ان نقول ان للعراق دورا مؤثرا جدا في عملية انتاج النفط حيث يمتلك العراق احتياطي كبير جدا من النفط وان حالة الاستقرار الامني في العراق ستؤدي الى زيادة انتاج النفط وستعمل على التاثير على الموازنة الاقتصادية العالمية الى جانب السعودية وايران ونيجيريا وباقي دول اوبك المصدرة للنفط .

ومثلما للنفط اهميته في زيادة الاسعار فان هناك حربا كبيرة في الاستيلاء على المياه ومصادر المياه ، وان الحرب القادمة ستكون حرب المياه اضافة الى حرب النفط ، وهناك شعوب كبيرة اصبحت كثرة المياه والفيضانات فيها نقمة عليها في موسم واحد وتعاني من الجفاف والفقر في موسم اخر ، هناك بلدان تعاني من الجفاف ومن شحة المياه بحيث تسببت في كوارث اقتصادية لتلك البلدان ، وهذا بدوره اثر ويؤثر على الانتاج الزراعي وبدوره يتأثر بما يحصل من زيادة عالية في اسعار النفط ادت الى زيادة اسعار السلع الاستهلاكية بشكل جنوني مما فعل حصول المظاهرات والاحتجاجات في العديد من بلدان العالم . وربما نتوقع حربا تسمى حرب الفقراء او حرب الجوعانين او حرب الرز بسبب زيادة اسعاره العالمية وتاثيره على الفقراء في الهند وبنغلاديش والباكستان وفيتنام والصين .

ان هذه الزيادة في اسعار النفط والزيادة في اسعار السلع الاستهلاكية وشحة المياه في العديد من بلدان العالم ستؤثر بشكل عام على كل القطاعات وستزيد من حدة الفقر والجوع في العالم وستزيد من مشاكل الدول النامية والدول الاقل نموا وبالنتيجة يؤدي الى انتشار الفساد والامراض والاوبئة الخطيرة مثل جنون البقر وانفلونزا الطيور والطاعون والملاريا والكوليرا وايضا انتشار الدعارة وتجارة الاطفال والمخدرات وتفاقم المشاكل الدولية وتزايد الحروب بين الدول .

ضياء السورملي – لندن
kadhem@hotmail.com