الجواهري رحل ولم يرحل

نحيي الشاعر محمد مهدي الجواهري شاعر العراق الكبير في ذكرى رحيله حيث توفي في السابع والعشرين من تموز 1997 ، ورحل وهو حزين مثل حزن بلاده ويصف حاله في ابيات قيمة في المعنى .

ولا تعجبوا أن القوافي حزينة *** فكل بلادي في ثياب حداد
وما الشعر إلا صفحة من حياتها *** وما انا إلا صورة لبلادي

وقد ولد الجواهري وتوفي في نفس شهر تموز ، وكان الفارق يوماً واحداً مابين عيد ميلاده ووفاته. فقد ولد في السادس والعشرين من تموز عام 1899 وتوفي في السابع والعشرين من تموز 1997.

يقول الشاعر سعدي يوسف ان الجواهري لا يرثى ... الجواهري يمدح ولنا ان نرثي انفسنا .
ان الجواهري رحل بعد ان لقن اعداءه وخصومه الدروس التي لن ينسوها ورحل بهدوء وقامته شامخة في عمق التاريخ المعاصر .
وصف المرحوم الشاعرالعراقي الكردي الفيلي زاهد محمد زهدي الجواهري رفيقه وصديقه بصناجة الشعرالعربي وخاطب الجواهري في عيد ميلاده السبعين وهو يعاتب العراق الذي يرزخ تحت حكم الطاغية بقوله

لا يخدعنك العازفون فانهم *** باعوا الضمير بثـــوبه وإزاره
يتهــافتون أذلة في بابـــــه *** وعيونهم لهــفى على ديـــناره
في حين يفترش الثرى صناجة *** للشعر اكرمهم نثار غبــــاره
سبعون عاما توجت اشعاره *** هام العراق وكللته بغـــــاره
واليوم لا بيت يلوذ بسقفه *** أو سائل عنــه وعــن اخباره

لقد وقف الجواهري طوال سنوات عمره وهو يتمتع بمكانة عالية بين معاصريه من الادباء والكتاب والمؤرخين والشعراء ، لقد كان شاعرا عملاقا وانسانا بسيطا ومتواضعا ، عنيدا شديدا صعب المراس ولا يلين امام الطغاة والمتجبرين من الحكام .

كان الجواهري رئيس نقابة الصحفيين يوم كان للصحافة شأن في مجريات الاحداث في العراق ، وكانت بطاقته الصحفية تحمل الرقم واحد وبذلك كان الصحفي الاول في معترك الصحافة في العراق ، وعندما ترك نقابة الصحفيين هوت هذه المؤسسة بعده ، حيث اصيبت بالتحلل والتزوير وتنصيب الصبية من ابناء المسؤولين والحكام بعده لتولي رئاسة نقابة الصحفيين .

ومن اروع ما كتب الجواهري هي قصيدته الشهيرة المؤلفة من مائة وثمانية وثلاثين بيتا والتي يقول في مطلعها

ترنحت من شكاة بعدك الدار *** وهب بالغضب الخلاق اعصار
ويختم القصيدة بقوله

ياسادتي ان بعض العتب منبهة *** لغافلين وبعض الشعر إشعار
انا العراق لساني قلبه ، ودمي *** فراته وكـياني منه أشطــار

لقد حاول الاقزام النيل من الجواهري ومن شعره ومن وطنيته ومن عراقيته ومن قدرته ولكنه كان لهم بالمرصاد حتى وهو في الثمانين من عمره وهو يقول

كم هز دوحك من قزم يطاوله *** فلم ينله ولم تقصر ولم يطل
يا صاحبي وحتوف القوم طوع يدي *** وكم اتتهم رياح الموت من قبلي
اجل يراعك في آجالهم مزقا *** فليس عندك بعد اليوم من اجل
واضرب بهم أسوأ الامثال سائرة *** حتى تثلم فيهم مضرب المثل

لقد خاطب الجواهري اصدقاءه واحبابه بحرقة ومرارة وهو يودعهم ويرثيهم في قصيدته بريد الغربة وهو يقول

سلام من أخى دنف *** تناهت عنـده العلل
و فيما قال من حسن *** و سيْئ يكـثرالجدل
سلام أيهـا الثاوون *** إنــى مزمع عجــل
سلام أيها الندمـاء *** إنــى شارب ثمــل
سلام أيها الخالـون *** إن هواكــمُ شغـــل
سلام أيها الأحباب *** إن محبـة أمـــــل
سلام كلـــــــه قبــل *** كأن صميمها شعل

ورثى الجواهري الشاعر العراقي الكردي جميل صدقي الزهاوي بقصيدة جميلة فمن يرثي الجواهري الراحل عنا والباقي خالدا معنا ؟

ابا الشعر والفكر المنبه أمة *** عزيز علينا انك اليوم راقد
وان الذي هز القلوب هوامدا *** وحركها في الترب ثاو فهامد
اضاعوك حيا وابتغوك جنازة *** وهذا الذي تأباه صيد أماجد

وقد رثى الشاعر الجواهري الشاعر الكردي (بي كه س ) ومعناه في اللغة الكردية الشخص الذي لا أحد له في قصيدة يقول في مطلعها

اخي بي كه س والمنايا رصد *** وها نحن عارية تسترد
اخي بي كه س يا سراجا خبا *** ويا كوكبا في دجى يفتقد
بلا احــــــد ســـــــنة العبقري *** يعي الناس اذ لا يعيه أحد
بلا احـــــــد يا سنا امــــــة *** تنادت الى جمع شمل بدد
تصول بسيف كثير الحدود *** اذا كل أحد له جد حد
بلا احـــــد ايـــــها العـبقــري *** وانت الجميع وانت الاحد

من القصيدتين السابقتين نستنتج عمق العلاقة التي كانت تربط الجواهري باصدقاءه من الشعراء الكرد من امثل بي كه س والزهاوي وبلند الحيدري والدكتور زاهد محمد زهدي وقد توفي جميعهم وقد رثا احدهم الاخر في حياته وفي مماته وكانوا في تعاملهم وعلاقاتهم مع بعض اصدقاء مخلصين واوفياء مثلهم مثل علاقاتهم وشعرهم جميعا مثل شبكة عنكبوت محبوكة بمهارة وتقنية ربانية عالية . لقد ابدع الجواهري وفاض شعره بقصائد غناء مشهورة ولها صدى في الوسط الادبي والثقافي في العراق وفي الدول العربية ولدى كل محبي شعر الجواهري وادبه الرصين وشعره اللغوي الغني والعميق في المعاني والتنظيم .

لقد تغنى الجواهري بالعراق وبدجلة والفرات وتغنى بمعظم الدول التي زارها واقام فيها واحتضنته برعايتها وكرمها ولا غرابة في ذلك وهو يقول

أنا شاعر يبغي الوفاق موحد *** بين الشعوب سبيله الارشاد
ما الفرس والاعراب الا كفتا *** عدل ولا الاتراك والاكراد
ألغات هذا الشرق سيري للعلى *** جنبا لجنب رافقتك الضاد

وكان الجواهري يجمع بين الكنائس والجوامع والمساجد وبين وحدة المسلمين والمسيحين في شعره فيقول

لقد خبروني ان في الشرق وحدة *** كنائسه تدعو فتبكي الجوامع
هبوا ان هذا الشرق كان وديعة *** فلا بد يوما ان ترد الودائع

هذا هو الجواهري الذي رحل عنا وترك لنا مجموعة من الاوغاد في العراق يفجرون المراقد المقدسة في سامراء وهو الذي قال قصيدته المشهورة بحق سامراء مايلي

قمراء راقصة الاشعة ، جللت *** بخفي سر رائع مجهوله
والجو افرط في الصفاء فلو جرى *** نفس عليه لبان مصقوله

ويفجرون الكنائس الآمنة في بغداد والموصل ويقتلون الصائبة والشبك والايزيدين ، لقد رحل الجواهري عن العراق لتفجر البهائم المفخخة اجسادها النتنة لتقتل الابرياء باسم الاسلام ، بينما كان الشاعر الجواهري يخرج جواهرا ودررا من فمه ليلهب بها حماس الناس ضد الطغيان والاستعمار .

ان الجواهري النبيه والفطن والمؤمن والحر والأبي انشد رائعته الشهيرة في رثاء سيد الشهداء الحسين( ع ) قصيدة آمنت بالحسين والتي يقول في مطلعها

فداء لمثواك من مضجع *** تنور بالابلج الأورع
ورعيا ليومك يوم الطفوف *** وسقيا لأرضك من مصرع

الجواهري الذي تمرد على مدينته بعلومها وشبابها وفكرها كان صادقا في كل اشعاره وهو القائل عن تمرده بما كان يسود من عادات وافكار في مدينته

أنا ضد الجمهور في العيش *** والتفكير طرا وضده في الدين

وايضا فان قصيدته الساخرة والتي نشرها عام 1946 والتي تمثل الوضع القائم حاليا في العراق وهذه مقتطفات من ابيات القصيدة المشهورة اي طرطرا تطرطري

أي طرطرا تطرطري *** تقدمي تأخري
تشيعي تسنني *** تهودي تنصري
تكردي تعربي *** تهاتري بالعنصر
تعممي تبرنطي *** تعقلي تسدري
أي طرطرا إن كان شعب *** جائع أو خلق عري
أو صاح نهباً بالبلا د *** بائع ومشتري
أو نفذ المرسوم في *** محابر وأسطر
أو أخذ البريء *** بالمجرم أخذ طرطر
أو دفع العراق *** للذل والتدهور
فاحتكمي تحكمي *** وتحمدي وتؤجري
أي طرطرا تطرطري *** وهللي وكبري
وطبلي لكل ما *** يخزي الفتى وزمري
أي طرطرا سيري على *** نهجهم والاثر
كوني على مافيك من *** مساويء لم تحصر
كوني على الاضداد *** في تكوينك المبعثر
شامخة شموخ قرن *** الثور بين البقر

رحل عنا الجواهري الكبير ولم يرحل فهو خالد في فكرنا ويعيش معنا نتغنى باشعاره وافكاره ونلاحقه في سطور اشعاره ، كل ما كتب عن الجواهري قليل مقابل ما قدمه من سفر كبير يبقى دهرا طويلا تتغنى الاجيال من بعده .

ضياء السورملي – لندن
kadhem@hotmail.com