عميد كلية العلوم - قصة قصيرة
كان الاستاذ الدكتور متخصصا في الجيولوجيا وخبيرا في كل انواع الصخور والانهيارات والزلازل والتصدعات الارضية وكان قد تدرج وتدحرج في العزايم والولايم حتى صار مساعد عميد في كلية العلوم وهذا المنصب يعني انه كان ضابط ارتباط مع دائرة الامن وجاسوسا على الاساتذة في كليته ، وبعد ان استنفذ كل الزمالات والبعثات الدراسية والايفادات ترقى الى مرتبه عميد ولم يحالفه الحظ لكي يصبح رئيسا للجامعة لان الاوضاع في زمن حاكم العراق قد تدهورت جدا مما دعا الدكتور ان يغادر العراق الى احدى الدول العربية بحثا عن العزائم والولائم حيث ارسله النظام ايفاد ولم يرجع بعد انتهاء مهمته الأيفادية !
كان اللقاء والتعرف عليه عن طريق الصدفة في جامعة السابع من ابريل في مدينة الزاوية في ليبيا في سنة 1995 ، كانت بطنه تسبقه بحوالي نصف متر ، وكان يعاني من آلآم في الظهر وكانت عنده مشاكل حياتية عويصة حيث كان يجد صعوبه بالغة اثناء ذهابه للمرافق الصحية نتيجة صغر المرحاض قياسا الى حجم مؤخرته وكان يعاني من عملية تنظيف نفسه ايضا وكان يحدثنا عن ذلك بشكل يومي ويشكو من وضعيته هذه يوميا كما انه كان يعاني من عملية ربط قيطان حذاءه لانه كان يجد صعوبة في الانحناء للاسفل حتى نصحناه بان يشتري عزت الدوري وكنا نقصد بذلك حذاء من دون قيطان ويسمى بالعراقي( قندرة قبغ لي ) حيث كان عزت الدوري لا يحل ولا يربط في حياته السياسية . كان صاحبنا الدكتور لا يستطيع السجود اثناء الصلواة التي كان يتفاخر بها امامنا وكان لا يستطيع جلوس القرفصاء بسبب بدانته وكبر كرشه وكان يعاني من صعود السلالم عندما يذهب الى شقته في الطابق الثالث .
حدثني بلهجة مصلاوية وقال لي والله فاتتك العزيمة ، قلت له أي عزيمة فقال لي العزيمة التي عملتها السفارة العراقية في طرابلس العاصمة في ليبيا بمناسبة ميلاد الريس ، ابتسمت في وجهه من دون ان أنبس بكلمة واحدة حتى شرح لي بالتفصيل كل انواع الاكل المقدم في وليمة السفارة المقامة في حديقة منزل السفير ، كان الاكل كثيرا وكان المدعوون يلتهمون الطعام ويشربون الشراب والعصير ويرقصون ويتناطحون ويبتسمون ويجاملون والدنية ربيع والجو بديع ، كان اللحم طيبا ولذيذا جدا.
كررها ثانية باللهجة المصلاوية والله فاتتك اشلون عزيمة قوزي لحم لذيذ ، أشلون لحم لذيذ وكرر علي سؤاله بسذاجة لماذا لم تحضر للسفارة . عيد ميلاد الريس يا أخي أشلون ما تحضر ! ابتسمت بوجهه مرة ثانية من دون ان ارد عليه بأي كلمة .
زاد من وصف الاكل والماكولات وانواع السلاطات والخدم والمدعويين والحاضرين من كل الاصناف وكرر علي بان كل العراقيين كانوا حاضرين ، استغربت من حديثه وقلت له هل حضر فلان فقال لا لم اشاهده وهل حضر فلان فقال لا لم اشاهده ، ارتحت قليلا لانني اطمأنيت بان اقرب أصدقائي لم يكونوا حاضرين ميلاد الريس . وهنا استرسل صاحبنا العميد الاستاذ الدكتور بوصف الاكلات مرة أخرى وقال الاكل لذيذ واللحم لذيذ وسالني للمرة الثالثة لماذا لم تحضر والله اني استغربت انك لم تحضر لعيد ميلاد الريس !
ابتسمت بوجهه للمرة الثالثة وقلت له باستهزاء انا سمعت من قبل واعرف جيدا بان لحم العراقيين لذيذ وان البعثيين ياكلون لحم اخوانهم مقدما لهم في اطباق في السفارات العراقية وانني منذ فترة طويلة بعد ان عرفت انواع اللحم ورغم انني لم اذق طعم اللحم العراقي فانني تحولت من أكلة لحوم العراقيين الى أكلة النباتات فقط وصرت صديقا للحصان النباتي فقط والذي به تقاس القوة حيث الحصان رمز السباق والمسابقات وان من يصادقه ويمتطي صهوته بشكل محترف يسمونه فارسا.
قلت له انا في حقيقة امري لا احب السفارات ولا احب عزائمها ولا احب الريس والرؤساء ولا أحب ان احتفل باعياد ميلاده وازيدك علما بانني لا انتمي للعراق الذي لا يحترم مواطنيه وانا لا انتمي للعراق الذي يحكمه حاكم يقتل ويبطش بالعراقيين من دون رحمة ولا احب اكل اللحم اللذيذ المصنوع من اجساد العراقيين .
ودعت صاحبي الدكتور بسرعة خوفا من ان يبلعني خصوصا وانه مولع بلحم العراقيين . مرت الايام وتوفي صاحبنا العميد وأعدم الريس ولكن بقيت الولائم والعزايم واطباق الأكل يتقاسمها اصحاب الكروش المنتفخة في السفارات وفي الوزارات وفي الرئاسات وفي مذكرات بريمر في اركان الحكم الجديد الوطني والوحدوي والطائفي والقوموي والعروبي والاسلاموي والفوضوي .
اخر اخبار الولائم هي قصة وليمة قدر دولمة مصلاويه تناولها اعضاء القنصلية في لندن حملتها لهم ( أم دولمة) لكي تحصل على وكالة لكي تعقب لها اختها موضوع الراتب التقاعدي لزوجها المغدور بعد ان ملت من معرفة مصير زوجها الذي راح ضحية النظام المقبور نظام العزايم والولايم . راجعت القنصلية بشكل اصولي لم يعاملوها معاملة جيدة ، قالت لهم انتم كلكم حبربشية وخرجت غاضبة ، ثم قدمت شكوى للسفير وقالوا لها ان تراجع القنصلية مرة ثانية ، ذهبت ووضعوا لها حلولا واقنعوعا ان تاتي ومعها ( قدر دولمة ) . بلع الموظفون الدولمة وحصلت ( أم دولمة ) على الوكالة المطلوبة بعد ان اجبروها ان تحصل على الجواز العراقي الساقط فئة إس مع الوكالة مثلما كان يفعل النظام السابق ان تشتري عشرة كيلوات ملح اذا اردت ان تشتري علبة حليب اطفال نيدو .
والقصة الغريبة هي انك لا تستلم جواز سفرك النائم في القنصلية العراقية في لندن الا بعد سبعة او ثمانية اشهر من توقيعه من القنصل والسبب بسيط جدا هو ان تعرف كيف تجامل المسؤولين وتقدم لهم وليمة او رزمة دولارات او قنينتين عطر راقي للمسؤول وزوجته او للمسؤولة وزوج جيرانها .
يبدو ان افضل حكم ديقراطي في العالم هو الحكم الولائمي المبني على العزايم والولايم وانواع الهدايا التي كبرت من دجاجة او ديك هراتي الى بيت الملا وتحولت الى خروف وكبش الى موظف البلدية وتحولت الى سيارات اخر موديل الى عدي وقصي واليوم تحولت الرشوة الى مليون دولار او اكثر لتحصل على مقاولة قيمتها عشرة ملايين واكثر .
ضياء السورملي – لندن
4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2008
kadhem@hotmail.com