User login

الكرد الفيليون والتجارب الكيمياوية- حديث مع عدنان الفيلي

في هذا اللقاء نتحدث مع أحد المناضلين البيشمركة من ابناء الكرد الفيليين الناجين من سجون النظام العفلقي الصدامي ومن جريمة التجارب الكيمياوية وهو الأخ عدنان رضا الفيلي الذي قضى فترة تزيد على سبع سنوات في زنزانات النظام الصدامي ، حيث يعتبر كلامه هذا من الحقائق المهمة ووثيقة دامغة لشاهد عيان نجى من زنزانات النظام وبامكان المحكمة التي تنظر في جرائم صدام أن تأخذ أقواله وشهادته باعتبارها شهادة حية على الجرائم التي مورست بحق أهلنا وأخوتنا من الكرد الفيليين وغيرهم من العراقيين مثلما يحدثنا عنه السيد عدنان رضا من خلال هذه التساؤلات التي اجاب عنها مشكورا

س 1 : هل لك ان تحدثنا عن الأيام الأولى التي تم تسفيركم فيها ؟

ج : بدأت الحملة الظالمة من التسفيرات على أهلنا وأبناءنا وأخواتنا وإخواننا من الكرد الفيليين وغير الفيليين من العرب والتركمان الشيعة وبعض الأفراد من التبعية الهندية في بداية سنة 1980 وكانت قد سبقتها حملات اخرى في مطلع العشرينات من القرن العشرين ثم تلتها حملات اخرى في الخمسينات وفي الستينات وفي السبعينات ولكن ما جرى بحقنا نحن الكرد الفيليين كان الذروة في حملات التسفيرات القسرية والنهب المبرمج لممتلكاتنا وأموالنا في فترة الثمانينات من القرن العشرين

س 2 : ذكرت ان معكم محجوزون من التبعية الهندية هل لك ان توضح ذلك رجاءً ؟

ج : نعم لقد حجز النظام مجموعة من العراقيين بحجة التبعية الهندية او التبعية الباكستانية او التبعية الروسية ولقد كان معنا شخص اسمه الأخ عماد أتهم بانه من التبعية الهندية وكان معنا شخص يلقب بأبي لميعة ولقد فقد الأتصال بعائلته وكان شديد التعلق بابنته لميعة وقد قرر اطلاق لحيته وعدم حلقها حتى يلتقي بابنته الوحيدة لميعة ومما يجدر الأشارة اليه ان الزيارات كانت ممنوعة علينا وقد بقيت الزيارة ممنوعة من تأريخ 31/1/ 1982 ولغاية 14/1/ 1985

س 3 : ما هو الأسلوب الذي كان يتبعه النظام الصدامي العفلقي لعمل حملات التسفير والإبعاد بحق الكرد الفيليين ؟

ج : إن أزلام المجرم صدام وأجهزته القمعية ووسائل أجهزة الأمن والمخابرات والشرطة وما يسمى بالجيش الشعبي الذي كان يقوده المجرم طه الجزراوي وغيرها من الأجهزة القمعية التي كانت تستخدم كل الأساليب الوحشية من مداهمة البيوت ليلا وبدون سابق انذار ومداهمة المحلات والمعامل وحجز الشباب الذين عمرهم بين ستة عشر عاما وخمسة واربعين عاما أي السن القانونية للخدمة العسكرية وفي هذه المرحلة بدأت مصادرة الأملاك وألاموال وتسفير النساء أواغتصابهن وتسفيرالأطفال خارج الحدود العراقية باتجاه الحدود الأيرانية وتحت وابل من نيران المدفعية وقصف الطائرات والصواريخ

س 4: بعد ان يتم التسفير الى اماكن وبلدان غير معروفة لكم ما هو المصير الذي تواجهونه ؟

ج : ان تسفيرات اهلنا كانت تؤدي بنا الى نهاية غير معروفة وتذهب بنا الى مصير مجهول وهنا أود أن أذكر بأن الضمير العالمي كان غائبا عنا وإن العالم الأسلامي والعالم العربي كانا في غيبوبة عن الجرائم التي ألمت بنا ولم يحرك هذان العالمان ساكنا بحق المأساة التي ألمت بنا لا من قريب ولا من بعيد بل إن أغلب هذه البلدان كانت تساند النظام الفاشي البعثي الصدامي والبعض الأخر شارك معه في الجريمة واستفاد من الدعم المادي والأموال التي كان يغدق بها النظام عليهم

س 5 : اين هو دور الأعلام من هذه الجريمة ؟

ج : لقد كان الأعلام العربي والأسلامي صامتا صمتا مطبقا لأن الجريمة كان يقوم بها نظام عربي ومسلم مثلما يدعي ومثلما يقولون ويطبلون ويؤيدون ويساندون ويصفقون لهذا النظام الفاسد والذي استطاع أن يشتري الذمم ويقمع الأفواه بالأموال والسلاح

س 6 : برأيكم لماذا لم يقف رجال الدين معكم أو لماذا لم يستنكروا هذه الجرائم البشعة ويعلنوا عدم رضاهم على أقل تقدير ؟

ج : ان معظم رجال الدين كانوا يطبلون ويمجدون لنظام الطاغية لأنهم كانوا يعتبرون النظام ممثلا لأفكارهم والحقيقة هي أن النظام ومخابراته إستطاعت أن تجند جيشا من رجال الدين من الذين لم يكن لهم أي هم او إهتمام بشؤون الناس وإنما همهم الأول هو إشباع رغباتهم وملئ جيوبهم وأنا شخصيا أستغرب واقول اين هو إسامة بن لادن الذي يدعي الإسلام لماذا لم يرفع صوته ولوبمجرد صوت لإستنكار أو شجب ولم نطلب منه أن يرفع أو يرمي مادة متفجرة مثلما يفعل هذه الأيام من تفجير بحق الأبرياء حاليا اين هو اسامة بن لادن وكل الأحزاب الأسلامية من التجارب الكيمياوية التي حدثت بحق الكرد الفيليين وغير الفيليين من أبناء الشعب العراقي وهنا أود أن انوه عن الدور الأيجابي لقلة قليلة من رجال الدين الذين وقفوا وساندوا أهلنا وهم ايضا تعرضوا مثلنا للقمع والتنكيل نتيجة لمواقفهم النبيلة

س7 : ذكرت اكثر من مرة التجارب الكيمياوية هل ان جميع من تم اعتقالهم قد جرت عليهم التجارب الكيمياوية ؟

ج : لا ليس جميع الكرد الفيليين جرت عليهم التجارب الكيمياوية ولكن عدد كبير منهم ووجبات عديدة قد أجريت عليهم وجربت بهم وبأجسادهم التجارب الكيمياوية والبقية ممن لم يتم إجراء التجارب عليهم قد قتلوا ودفنوا في المقابر الجماعية وهذه المقابر إنتشرت في معظم انحاء العراق مضافا اليها المقابر الجماعية بحق الكرد في كردستان ويقدر عددهم بما يزيد على مائة وثمانين ألفا من الكرد مضافا اليهم أكثر من عشرة الأف شاب كردي فيلي ولا ننسى المقابر الجماعية بحق الشيعة العرب في وسط وجنوب العراق وهم يقدرون بمئات الآلاف من مختلف الأعمار نساءً ورجالا وأطفالا ومقعدين وعجزة وهنا يحق لنا التساؤل والأحتجاج والصراخ أين هم رجال الدين ومبادئ الأديان وقيمها وأين هي المنظمات الأنسانية وحقوق الأنسان والمنظمات الخيرية والأمم المتحدة ومبادئها السامية

س 8 : لماذا لم تنشر هذه المذكرات في وقت سابق ؟

ج : كان بودي نشر هذه المعلومات المهمة وما أحمله من ذكريات عن سجون وزنزانات المجرم صدام وأعوانه الساقطين والمجردين من كل القيم الأخلاقية ولكن للأسف لم أستطع ان أوصل رسالتي الى الآخرين إلا بعد أن إزداد الوعي الأعلامي وأنتشر بشكل ملحوظ إستخدام وسائل الأعلام المختلفة ومنها الصحف وشبكة الأنترنتيت ومع ذلك فان الناس المقربين مني وأصدقائي على علم ومعرفة بما كنت اخبرهم به من معلومات وإن ما فعله النظام بنا وباهلنا وناسنا وعوائلنا مطبوع في ذاكرتي وانا أقوم بفضح ممارسات النظام وأعماله وما قام به بشكل مستمر وهو أمر مكمل لما كنت اقوم به سابقا من نشاطات ضد السلطة الغاشمة التي حكمت العراق بالحديد والنار ومع ذلك فقد أستطعت نشر هذه المذكرات وبصورة مختصرة في احدى الجرائد السويدية في مدينة يوتوبوري – غوتنبرغ

س 9 : كيف تم إلـقاء القبض عليك في فترة الثمانينات وما هي الأساليب التي اتبعها معك النظام الفاشي الحاكم في العراق ؟

ج : بتاريخ 28/1/ 1982 اتصل بي ضابط أمن من معاونية أمن قناة الجيش في حي 14 تموز طالبا مني التعاون مع جهاز الأمن العام او المخابرات العامة وهدفهم وغايتهم من ذلك كان إرسالي الى خارج العراق من أجل التجسس على أبناء قوميتي وأخوتي وأحبتي وأعزائي من الكرد والعراقيين في بلدان اوربا وبعض الدول العربية ، كان الموقف صعبا للغاية بالنسبة لي في هذا الوقت وفي هذا المكان الكريه ذو السمعة السيئة والذي لا يمت للأمن ولكلمة الأمن بأي صله حيث ان الأمن تعني اشاعة الأمان والطمأنينة في نفوس الأخرين بينما في قاموس النظام العفلقي الصدامي هو إشاعة الخوف والرعب والويلات والدمار والدفن في مقابر جماعية وفي أحواض التيزاب ، لقد حاولت التملص من الأجابة وتجنب المواجهة المباشرة واستخدام الرد المعقول فقلت له ان زوجتي حامل في شهرها الأخير ولا أستطيع تركها والذهاب في مثل هذه المهمة فقال لي ضابط الأمن عليه يتوجب على أخيك الأصغر عادل أن يذهب بدلاعنك وبعكسه اذا لم تستجيبوا أو تتعاونوا معنا سنقوم بهجم بيتكم على رؤوسكم ، لقد رفض اخي عادل تهديدهم رفضا قاطعا من دون أي نقاش أو تقديم اي عذر لهم ، وبعد أربعة ايام أي بتاريخ 31/1/1982 داهمتنا مفرزة من معاونية أمن القناة وهاجموننا في بيتنا الواقع في حي الجميلة لكي تبدأ رحلة عذاباتنا الشاقة في سجون وزنزانات النظام البعثي المقبور

س 10: كيف كانت ظروف حجزكم في دوائر الأمن وهل كنت لوحدك ؟

ج : لم أكن لوحدي بل كانت عائلتي وأهلي معي ولقد قضينا الليلة الأولى في معاونية أمن القناة وفي صباح اليوم التالي تم ارسالنا جميعا الى مديرية أمن صدام في شارع فلسطين قرب ساحة بيروت . تم حجزي مع اخي الشهيد المرحوم محمد وهو من مواليد 1960 حيث كان في العشرينات من عمره شابا في ريعانة شبابه وقد غدر به أزلام النظام مع بقية رفاقة بتأريخ 29/5/ 1986 وكانت حجتهم في قتله أنه يعمل مع حزب معادي لحزب النظام العفلقي الصدامي المجرم
لقد فصلنا وعزلنا عن أهلنا انا واخي الشهيد محمد وتم إرسال باقي أفراد عائلتي وأهلي الى التسفيرات وكان أخي عادل وهو من مواليد 1955 يعمل مع خالي علي ياره عباس الجابري في محافظة الديوانية وقد تمكنت من إرسال خبر له بان يترك العمل ويتوجه الى ايران لأن أهلي سيتم تسفيرهم الى إيران وفعلا استطاع عادل من الذهاب الى ايران عن طريق كردستان وبمساعدة خالي وزوج خالتي عبد الجبار علي أصغر عند وصول عائلتنا الى ايران كان اخي عادل باستقبالهم هناك

س 11 : ماذا حصل لك ولأخيك الشهيد محمد عندما لم يتم ارسالكما مع أهلكم وعائلتكم الى إيران ؟

ج : بدأت رحلة العذاب بالنسبة لي وأخي محمد عندما فصلنا عن أهلنا وعزلنا عنهم بتاريخ 31/1/1982 حيث عصبوا أعيننا بقطعة قماش وربطوا أيادينا الى الخلف وأجلسونا على مقاعد دراسية خاصة بالأطفال وأمرونا ان نضع رؤوسنا على هذه الرحلات المدرسية وعدم رفعها وان لا نتكلم مع بعض وعندما يحين وقت الأكل وهو وجبة واحدة في اليوم او عندما نذهب لقضاء حاجاتنا يتم ربط أيدينا الى الأمام ثم نعود الى أوضاعنا السابقة مرة أخرى ، بقينا على هذا الوضع لمدة ثلاثة أيام وكل من يخالف هذا الأمر يضرب بالسلك (كيبل) من قبل الحرس الذي يراقبنا

بعد هذه الأيام الثلاثة تم نقلنا الى زنزانات مديرية الأمن ، حيث أصبح وضعنا أكثر سوءا وتم حجزنا في غرفتين صغيرتين بقياس 4X4.5 متر و 5X5.5 متر ولقد وضع في الغرفة الأولى ستون شخصا وفي الثانية ثمانون شخصا وكانت توجد بين الغرفتين فسحة من المكان بمساحة 1.5X1 متر وكنا انا واخي فيها مع عشرين شخصا اخر اي كان مجموعنا 22 محتجزا وبقينا في هذه الغرفة لمدة ثلاثة اشهر من دون ان تتوفر لنا اي وسائل عناية ولم يلامس جسدنا الماء ولم نعرف لون الصابون او شكله ، غزا اجسادنا القمل والوسخ وسمح لنا ان نغسل اجسادنا بالماء البارد لمرة واحدة فتمرضنا جميعا بسبب البرد ،اما الأكل فكان رديئا وقليلا جدا . ولكم ان تتصوروا كيف كان يعيش 22 نفرا في غرفة صغيرة بمساحة متر ونصف مربع فقط وليس بها تهوية ولا إضاءة ولا اية مستلزمات صحية ، لم يكن باستطاعة اي منا النوم او ان يمدد ارجله واصبنا جميعا بالأمراض والتعب والأرهاق والأعياء

س 12 : من المعروف أن نهج وسياسة مديرية الأمن في زمن الطاغية المجرم صدام هي نقل السجناء من مكان الى آخر بشكل مستمر وطمس المعلومات عن أماكن حجزهم عن ذويهم وأقاربهم ، هل مورس هذا الشئ بحقكم ؟

ج : نعم وهذا صحيح جدا ، لقد تم نقلنا بعد الأشهر الثلاثة الأولى من حجزنا الى منزل أحد الكرد المسفرين وجعلوا من مسكنه بناية لمديرية أمن صدام في حي الجميلة وهو مسكن السيد عبد علي تشمال المكنى بأبي دلير أو أبي رعد ، وضعونا في سرداب المنزل اما المرآب فقد حولوه الى زنزانة لبقية الموقوفين السياسين الآخرين وبعد يومين نقلونا الى أمن الزعفرانية ومن ثم أعادونا الى مديرية الأمن في حي الجميلة من جديد وبعد اسبوع تم نقلنا الى البناية القديمة في شارع فلسطين التابعة لمديرية أمن صدام وهي بالقرب من ساحة بيروت في بغداد وقد حولوا هذا المبنى الى مجمع لحجز الشباب الكردي الفيلي وكان رجال الأمن ينادوننا او يسموننا بالمحجوزين من الشباب الأيرانيين

س 13 : هل بالأمكان ان تذكر لنا عدد المحجوزين في هذه الزنزانات أو مراكز حجز الشباب ؟

ج : في بداية شهر نيسان من عام 1982 بلغ عددنا في هذا المجمع 700 محتجز وقد صدر أمر باخلاء سبيل كل من سفرت عائلته حسب إدعاءاتهم ولا ندري مدى صحة إخلاء سبيلهم أو تصفيتهم لاحقا ولقد بقينا حوالي 114 شخص محتجز لغاية شهر تموز من عام 1982 وبعدها نقلنا الى معتقل الفضيلية السئ الصيت ، كان وضعنا أفضل نوعا ما من حيث تعرضنا للشمس والتهوية ووجود الماء الحار وأستطعنا أن نداوي الجروح والتقرحات التي اصابتنا من الزنزانات السابقة وبهذا استطعنا ان نستعيد جزءا من عافيتنا ومقاومتنا للظروف السيئة التي مرت بنا سابقا

س 14 : هل كان مسموحا للزيارات العائلية او الأتصال بالأقرباء أثناء وجودكم في معتقلات الحجز ؟

ج : سؤال جيد كنت أود ذكره ، في الحقيقة لم نتمكن من اللقاء بأي من عوائلنا أو الأتصال بأي شخص من اقاربنا وقد كنا مقطوعين تماما عن أية أخبار تصلنا بذوينا وأهلنا خارج عالم السجن وقد مضى على حجزنا حوالي السنة ، الوسيلة الوحيدة التي نجحنا فيها بأن نتصل بأقاربنا هي عن طريق بعض المحجوزين من العراقيين في القسم الثاني من معتقل الفضيلية والذي كان مخصصا للهاربين من الخدمة العسكرية وكان مسموح لذويهم ان يتصلوا بهم وبدورنا كنا نحاول ارسال الرسائل عن طريق هؤلاء المساجين ، حيث كانت تصلنا بعض الرسائل او الراديوات الصغيرة وبعض الحاجيات الضرورية البسيطة وهذه كانت خاضعة لمحاولات مضنية وتوسلات بهذا او ذاك من أجل توصيل خبر أو استلام رسالة إطمئنان من أهلنا أوأقاربنا وكانت مصحوبة بمخاطر ومجازفات لأنها ربما تؤدي الى الهلاك وعقوبة الأعدام

س 15 : نحن نعرف ان أغلب المعتقلين من الكورد الفيليين كانوا موزعين في العديد من المعتقلات والسجون ، نرجو ان تحدثنا عن سجن ابو غريب اولا ومن ثم نأتي على باقي السجون والمعتقلات الأخرى التي كنت فيها

ج : تم بناء سجن ابو غريب في عام 1964 وبدأ بارسال السجناء اليه من مختلف انحاء العراق في شهر آذار من سنة 1970 وسمي بسجن الباستيل العراقي لبشاعة المعاملة فيه ولكبره وحصانته ، هذا السجن بني على مساحة كبيرة تقدر بأكثر من ثلاثة ملايين ونصف متر مربع ويستوعب حوالي 4600 نزيل او سجين وفيه قسم خاص لسجناء الأحكام الطويلة ويتسع هذا القسم الى حوالي 1300 سجين اما قسم الأحكام القصيرة او السريعة والتي ينفذ بها حكم الأعدام الفوري او بمحاكمة قصيرة فيبلغ عدد النزلاء به حوالي 1250 سجينا يتبدلون بين حين واخر نتيجة التصفيات المستمرة في هذا القسم ويوجد قسم اخر او قاطع اخر خاص للسجناء من الذين يتم حكمهم بالأحكام الخاصة ويتسع هذا القسم الى 1300 سجين كما يوجد قسم خاص بالسجناء غير العراقيين او السجناء الأجانب ويتسع هذا القسم الى 500 سجين وهناك قسم آخر يسمى بقسم الأفراج الشرطي ويتسع الى حوالي 250 سجين او نزيل والمهم ومن الضروري ان انوه بان بعض القواطع يتم حشر ضعف الطاقة الأستيعابية لها مما يتسبب في العديد من المشاكل الصحية للسجناء وخصوصا في اشهر الصيف ذات الحرارة الشديدة وكذلك في اشهر الشتاء ذات البرودة القارصة علما بان اي مستلزمات صحية غير متوفرة في هذا السجن السئ الصيت للغاية ، سمي هذا السجن باسم أبو غريب لأنه بني في منطقة أبو غريب الزراعية المعروفة والواقعة شمال بغداد وقد قامت شركات اجنبية بانشاء هذا السجن

لقد نص قانون العقوبات العراقي المرقم 111 لسنة 1969 على عقوبة الاعدام التي كانت تجري عادة في سجن ابوغريب فاذا كان المتهم مدنياً يعدم شنقاً حتي الموت وفق المادة القانونية المذكورة ، واذا كان عسكرياً فانه يعدم رمياً بالرصاص واحياناً كانت عمليات الاعدام تجري خارج السجن بصورة علنية لأسباب خاصة وبموجب أمر التنفيذ الصادر من وزير العدل حيث يبلغ المتهم بالاعدام قبل يوم من تنفيذ حكم الاعدام بحقه.

في شهر كانون الثاني 1984 نقلنا الى سجن أبو غريب المركزي ـ ملحق 7 وقاطع 7 و8 وتم إضافتنا الى بقية اخوتنا المحجوزين وكان عددنا الأجمالي في هذه القواطع فقط حوالي 1600 شخص محتجز

كان سجن أبو غريب من السجون المعروفة بشدة الحراسة وقسوة الأجراءات وصرامتها وبؤس المعاملة وعدم توفر اية شروط انسانية او صحية مطابقة لأي سجن من سجون العالم مثلما وضحت سابقا ، لقد كان معتقلا يمثل بالنسبة للسجين نهايتة ومصيره الأكيد نحو الهلاك والموت البطئ ، لقد سمح لنا بمواجهة عوائلنا وسمح للزيارات بعد فترة طويلة من الأعتقال وفي فترات طويلة متباعدة تصل الى السنة في بعض الأحيان او أكثر ، لقد كان كل شئ في سجن أبو غريب سيئا من وجبة الأكل الى المرافق الصحية والحمامات والتهوية والحر المميت في الصيف حيث تصل درجة الحرارة الى خمسين درجة مئوية في شهر تموز وتصل الى تحت درجة الأنجماد في شهر كانون الأول وكانون الثاني اضافة الى الرطوبة العالية ، لقد كنا مكدسين في غرف صغيرة وكان يصل عددنا في الغرفة الواحدة بحدود 25 شخص او اكثر ولكي اصور لكم الحالة التي كنا فيها وأرسمها لكم بشكل واضح وهي أن الشخص لا يمكنه أن ينام على ظهره وإنما يجب ان ينام على جنبه لكي يفسح المجال لزميله ان ينام ، لقد كنا مكدسين في غرف تشبه علب سمك السردين

حاول العديد من المحجوزين الأنتحار وإنهاء هذه الحالة المؤلمة بالنسبة لهم ولكننا كنا نشد من أزر بعضنا البعض ونمنعهم من عمل ذلك ، لقد قرر أحد المحجوزين وزميل له أن يفرا من السجن ، حيث استطاع كل من الأخ زيدان والأخ فلاح من الحصول على مبرد حديد وبدأوا بالتعاون مع بقية زملائهم بقطع القفل الذي يغلق باب السجن ( السركي الحديد ) وكانا يحاولان قطعه ببرده ليل نهار وبعد ان نجحوا في قطعه وعملا الترتيبات اللازمة حيث عملا سلما من حبل من الملابس واستطاعا من تجاوز وعبور اكثر من حاجز وسور عال ٍ وبعد ان تسللا من الساحة المحاطة بالسور المشبك وهو من الأسوار العالية جدا ايضا استطاعا ان يجتازا السور الخارجي والذي يبلغ طوله حوالي سبعة امتار وهذا السور كان يؤدي بهما الى خارج السجن وفعلا نجحا باجتياز هذا السور ولكن الحظ لم يحالفهما حيث هاجمتهم الكلاب السائبة المحيطة بالمنطقة مما أثار انتباه الحرس وتم القاء القبض عليهما وتم تعذيبهما بقسوة ووضعوهما في سجن انفرادي لفترة معينة وبعد ذلك تم ارجاعهما الى الزنزانات التي كنا محجوزين بها

س 16 : وماذا عن سجن نقرة السلمان او قلعة السلمان ، اين يقع هذا المعتقل وكيف تتم معاملة المعتقلين فيه ومن هم المعتقون الذين يتم ارسالهم الى هذا المكان وهل صحيح انه يسمى المنفى او مكان للنفي والابعاد مدى الحياة ؟

ج : نقرة السلمان قلعة حصينة وسط بادية السماوة ، جنوب غرب العراق وقريبا من قضاء السلمان في وسط الصحراء الغربية القريبة من الحدود السعودية ، كان يحرس هذا المكان شرطة حرس الحدود وعند وصولنا الى سجن القلعة كان الحرس قد بلغوا باننا من الأسرى الأيرانيين ولكن عندما تكلمنا معهم باللغة العربية تيقنوا من اننا عراقيون وان الحكومة المركزية واجهزة الأمن قد ضللتهم ومن هنا تعاطف الكثير من هؤلاء الحرس معنا في البداية وعاملونا معاملة حسنة عند وصولنا

لقد هيأ لنا أزلام النظام وضعا لابأس به في السجن مقارنة مع بقية السجون التي اعتقلنا بها ووفروا لنا المستلزمات اللازمة لنبقى لفترة طويلة في هذا المعتقل او المنفى الدائمي او الزنزانة الأبدية لأنه لا خيار للنزيل في نقرة السلمان اما الأقامة الدائمة في هذا السجن حتى الوفاة او ان تتم تصفيتك فيما بعد وبما كان يعرف في عرف النظام العفلقي المجرم غسل وتنظيف السجون اي ابادة كل من يريدون ابادته وتصفيته من المسجونين

لقد وفروا لنا كل شئ من وسائل الترفيه والرياضة ولوازم الطبخ والتلفزيونات والمبردات والثلاجات وحتى كان مسموحا لنا بتربية الطيور والدواجن في داخل السجن وان كل ذلك كان مدروسا ضمن خطة خبيثة ولئيمة لتصفيتنا وابادتنا بعد ان يتم تسميننا وتربيتنا مثل الدواجن والأبقار الحلوبة لكي يتم الأستفادة من دماءنا واجسادنا فيما بعد لغرض اجراء التجارب الكيمياوية والتجارب البيولوجية على الدماء التي تسحب من اجسادنا وأجساد أبناءنا وأخوتنا وأهالينا الذين زج بهم في هذا المعتقل الرهيب

لقد زارنا محافظ المثنى في تلك الفترة وكان يدعى مزهر مطني عواد وقال انه جاء بامر الرئيس العراقي المجرم صدام حسين وقال ان زيارته هذه جاءت بالنيابة عن رئيسه وانه يمثل الرئيس وهو يحمل رسالة من رئيسه مفادها صدور أمر وقرار بالعفو عنا وسيتم اطلاق سراحنا وقال لنا باننا ابناء هذا الوطن ، بعد ذلك جاءنا ضابط أمن ويدعى المقدم أبو سيف من مديرية الأمن العامة وقال باننا سنخرجكم من السجن بكفالة مالية فرد عليه احد المحجوزين بانه لم يبق له اي قريب او صديق في العراق وان جميع اهله واقاربه قد تم تسفيرهم الى خارج العراق الى ايران ولا يوجد لديه أحد لكي يقوم بكفالته فرد عليه ضابط الأمن بانه سياتي بشخص من الشارع او من المارة وسيقوم بكفالته ويخرج من السجن

س 17 : ما هي حقيقة انخراط الكرد الفيليين في معسكرات ما يسمى بالجيش الشعبي للنظام العفلقي ؟

ج : في يوم 1/11/ 1985 وزعوا علينا ملابس ميليشيات النظام العفلقي او ما يسمى بالجيش الشعبي وساقونا بسيارات تسع لثمانية عشر راكبا تعرف في العراق بانها سيارات كوستر وهي سيارات يابانية الصنع لونها ازرق وهي حافلة متوسطة الحجم لنقل الركاب ، كانت الوجبات التي يتم نقلنا بها من القلعة أو نقرة السلمان تتكون من 100 شخص محجوز ويتم نقلنا على شكل قافلة من السيارات وبحراسة مشددة ، تم سوقنا الى معسكر أمني تابع الى قوات الطوارئ التابع الى مديرية الأمن العامة وهذا المعسكر يقع على بعد كيلومتر واحد بالجهة الغربية من فندق الحبانية السياحي المطل على بحيرة الحبانية في الجزء الغربي من العراق ، لقد بدأوا فعلا بتدريبنا على السلاح الخفيف وكيفية استعماله ولكن من دون ان يكون اي عتاد داخل سلاح التدريب وبعد فترة وجيزة انضم الينا مجموعة اخرى متكونه من خمسين محتجزا ليصبح مجموعنا الأجمالي 150 محجوزا وكنا جميعا من المحجوزين من الكرد الفيليين

استمر تدريبنا الى ان جاءنا ضابط أمن من مديرية الأمن العامة ومعه قائمة باسماء عشرين شخصا من المحجوزين وانا كنت من ضمن هذه القائمة من الأسماء وقال سنرسلكم الى الدائرة ويقصد دائرة الأمن العامة وعند الأستفسار عن سبب ارسالنا الى هناك قال سنصدر لكم شهادة الجنسية العراقية ونخرجكم من السجن او الحجز وهنا تصدى له احد المحجوزين واسمه أكرام ابراهيم وهو اخو غازي ابراهيم واخرج شهادة جنسية عراقية من جيبه وقال انا عندي شهادة جنسية عراقية ولا احتاج الى اي شهادة جنسية اخرى وهنا صاح به سوف نخرج لك واحدة اخرى جديدة
وكعادة البعثيين وازلام النظام العفلقي فاقدي المصداقية والشرف فانهم نقلونا الى مديرية الأمن العامة وزجوا بنا في دهاليز وزنزانات الأمن العامة مرة اخرى واستمر حجزنا من دون أن نعرف السبب لمدة سنة كاملة اخرى وكانت ظروف حجزنا سيئة جدا ولم نتمكن فيها من رؤية النور او سماع صوت بشر او ان نشاهد وجه وشكل السماء أو لونها لقد كنا معزولين عزلا تاما عن كل شئ

س 18 : ماذا حصل لكم بعد هذه السنة من الأعتقال التعسفي ؟

ج : في نهاية شهر كانون الأول من سنه 1986 تم نقلنا الى معتقل الفضيلية وفي زنزانات الأمن العامة ـ الشعبة السياسية وبقينا في هذا المعتقل لمدة سنة كاملة اخرى ، كانوا يعرضون علينا التعاون مع الأجهزة الأمنية واجهزة المخابرات القمعية وقد رفض معضمنا من التعاون معهم لأنهم معروفين بغدرهم وخستهم وحقارتهم واجرامهم أما النفر القليل الذي انهار واستجاب اليهم فانهم ذهبوا ولم يعودوا ولا نعرف ما هو مصيرهم او ما حصل لهم ، المهم ان احدا لم يخرج من المحجوزين ابدا

في بداية سنة 1987 بدأت المرحلة الثانية او الدورة الثانية من التعامل مع الكرد الفيليين حيث كانت اجهزة النظام العفلقي تأتي وتأخذ المحجوزين على شكل وجبات لكي تختفي اثارهم والى الأبد وهنا بدأ القلق يساورني على مصير اخي الذي كان محجوزا معنا وسألت احد الضباط وهو برتبة نقيب ويدعى النقيب احمد وهو من أهالي النجف عن مصير اخي واين اخذوه فاخبرني بانه في قاطع الجيش الشعبي المرقم 65 وبعد مدة اعدت السؤال عليه عن مصير اخي محمد فقال بصوت فض وبوحشية اذا لم اسكت او اذا سألت عليه مرة اخرى فانه سيرسلني اليه وساواجه نفس مصيره وهنا عرفت انه في مكان سئ وان امورهم واحوالهم في حالة تعيسة

عند اشتداد القصف الأيراني على بغداد وازدياد الطلعات الجوية الأيرانية على بغداد تم نقلنا الى قلعة السلمان مرة اخرى لنلتقي ونلتحق من جديد باخوتنا المحجوزين هناك مرة اخرى ولتبدأ مرحلة النفي والعذاب من جديد ولم تمض فترة طويلة على اعتقالنا في معتقل نقرة السلمان حتى تم نقلنا من جديد الى مديرية أمن الديوانية وكان عددنا 35 محجوزا وتم توزيع بقية المحجوزين على مديريات الأمن في كل من النجف وتكريت والحلة وبعد ذلك تم ارجاعنا الى مديرية الأمن العامة السيئة الصيت في بغداد وبعد شهر من التحقيق والتعذيب والأهانات في مديرية الأمن العامة تم نقلنا الى سجن ابو غريب قسم الأحكام الخاصة وهو القسم الخاص بالمحكومين السياسيين

س 19 : متى تم الأفراج عنك وهل صدر عفو عن جميع المحجوزين من الكرد الفيليين ؟

ج : لقد افرج عني انا ومجموعة صغيرة ممن كانوا معي بحجة ان لنا اقارب من الدرجة الأولى ممن يحملون الجنسية العراقية او كل من له زوجة في العراق وتحمل الجنسية العراقية وبهذا العذر تم الأفراج عني بسبب ان زوجتي كانت في بغداد وتمتلك الجنسية العراقية

س 20 : ماذا كان مصير المحجوزين من الكرد الفيليين الذين لم تنطبق عليهم شروط الأفراج ؟

ج : ان كل محجوز لم تتوفر فيه شروط الأفراج قد تمت تصفيته ولقد كان اخي الشهيد محمد رضا الله كرم واحدا من هؤلاء الشهداء الذين لم يفرج عنهم النظام لأنه لم يكن متزوجا وان جميع اهلي واقاربي من الدرجة الأولى قد سفرهم النظام الفاشي الى خارج الحدود الأيرانية بحجة التبعية او بحجة عدم الحصول على الجنسية العراقية والتي اساسا صادرها النظام واعوانه ، اما المحجوزين الأخرين فقد تم سحب دماءهم واستخدمت اجسادهم كتجارب كيمياوية وتجارب بايولوجية وكانت مثرمة الكاظمية في دائرة المخابرات في الكاظمية شاهدا على تلك الجرائم حيث كانوا يرمون الأجساد الشريفة الطاهرة لأخوتنا واهلنا في نهر دجلة بعد ان يتم ثرم اجسادهم في مثارم ضخمة اعدت لهذه الجريمة البشعة اما الذين لم يتم استخدامهم في التجارب الكيمياوية والبيولوجية فقد تم قتلهم بشكل بشع وتم دفنهم في مقابر جماعية

هذا هو النظام وهذه هي بشاعته وهذه هي جرائمه التي انتشرت في المقابر الجماعية والتي بدأت تظهر ويتم اكتشافها بين الحين والحين وان الزمن قد تغير اليوم بعد ان سقط الطاغية وأعوانه في قبضة العدالة والقضاء العادل الذي سيسلط الضوء على جرائم الطاغية صدام ولن يفلت من العقاب العادل ولن تضيع دماء الشهداء الذين تم تصفيتهم على ايدي المجرمين والطغاة وساقوم بنشر تفاصيل اخرى من المعلومات الكبيرة التي في ذهني في مناسبات لاحقة.