User login

الخرف السياسي

الخرف من الناحية الطبية هو مرض عقلي ذهانى يتظاهر بنقص في الذاكرة والذكاء ويحدث غالباً في سن متقدم من العمر. اما الخرف السياسي فهو مصطلح سياسي يشابه رديفة الطبي ولكن تطبيقاته تكون في المجال السياسي . فمن هو المخرف سياسيا وما هي اعراض الخرف السياسي وعلى من يطلق وفي اي مناسبة يتم استخدامه وهل هو مصطلح سياسي رصين وابعاده وحدوده معروفة ام ان الخرف السياسي يتم اطلاقه جزافا على بعض السياسيين للانتقاص منهم .

لكي نوضح الصورة لمصطلح الخرف السياسي ، اريد ان اوضح مصطلح النضج السياسي اولا او السياسة الناضجة او السياسي الناضج وهذه المصطلحات تطلق على السياسة الرصينة التي تقوم مبادئها على الدراسات التحليلية المستندة الى العلم والمعرفة والتقصي والأستنتاج والأحصاء والتنبؤ او التوقع لوقوع الأحداث المقبلة من خلال معطيات مدروسة . تكون السياسة ناضجة اذا استندت الى اسس صحيحة واثمرت عن نتائج باهرة تعم فائدتها عموم المجتمع وافراده وتؤدي بدورها الى الوصول الى مراحل اكثر تقدما واكثر تطورا .

من مميزات السياسة الناضجة ان يقودها سياسيون ذو خبرة وذو مقدرة على الأدارة ولهم فن القيادة والتوجه ولديهم شخصية ذات مواصفات تلتف حولها الجماهير كما لها القدرة على الأقناع والمناورة وكل هذه العوامل تسهم في دفع العملية السياسية برمتها نحو الأمام . ان السياسة الناضجة تعتمد على المنهجية المبرمجة والأنظمة المتسلسلة بدرجات ادارية مستقلة في اتخاذ القرارات ولها صلاحيات ثابتة واسس تعمل عليها من دون تدخلات للمتطفلين والجهلة من خارج نظام العمل كما ان لها ميزانيات ثابتة لاتعتمد على مبدأ الربح والخسارة في ميزانياتها كاساس ثابت وانما تهدف الى التطوير وما ينتج عنها من مراحل لاحقة نافعة ومثمرة ومربحة حسب الخطط الموضوعة لها .

عكس السياسات الناضجة هي السياسة المتخلفة او الناقصة او المشوهة او الطائشة المتهورة او السياسة المجنونة وكل هذه السياسات لها اسبابها ومميزاتها وما يهمنا هو السياسة التي تقترب في اهدافها من الجنون بسبب ان قيادتها قيادة مجنونة او قيادة خرفة مما تؤدي بالبلد المرتبط بهذه السياسة الى حافة الهاوية والأنحدار وتجعله من البلدان المتخلفة والفقيرة والمهزومة والمحرومة والمنعزلة ونماذج مثل هذه السياسات كثيرة سناتي على تفاصيلها لاحقا .

من البلدان التي قادها سياسي وصل حد الخرف هي تونس على سبيل المثال في زمن الرئيس الحبيب بورقيبة ، لم يتنازل هذا الرئيس عن الحكم وهو في حالة مرض شديد وعجز كبير ووصل به الحال انه كان يتبول على نفسه في فراشه ومع ذلك كان حاكما لبلاده ، لقد تقدم به العمر كبيرا ولكنه كان ملتصقا بكرسي الحكم من دون ان يتركه ، ان مثل هذا أوصل دولته التي يحكمها الى مرحلة الخرف السياسي خصوصا وانه الحاكم المطلق حتى ولو كان خرفا وعاجزا ونفس الكلام ينطبق على فيدل كاسترو الرئيس الكوبي حيث وصل به الأمر الى نفس المرتبة ولا يزال هو الحاكم المطلق رغم تسليم السلطة رسميا الى اخيه .

ان قدرة الحاكم وخصوصا عندما يكون دكتاتورا ومتخلفا تتناقص بمرور الزمن ويصبح عرضة للنهش من المفسدين من المستشارين والمتطفلين المحيطين به وكلما طالت فترة الحكم في الزعامة كلما قلت قدرته على ادارة دفة الأمور ، والعكس صحيح كلما ابتعد الحاكم او الزعيم عن الحكم او الزعامة في فترة معقولة وسلم مقاليد الحكم او الزعامة الى مسؤولين اخرين كلما تعززت مكانة وقوة الدولة المحكومة .

من الامثلة الواضحة على الحكام طويلي العمر في الحكم هم الرئيس المصري محمد حسني مبارك والذي يجلس على كرسي الرئاسة لفترة تزيد على اربعين عاما وكذلك الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي ومعظم الرؤساء والملوك العرب فانهم مثل العلكة اللاصقة في الملابس لا يمكن قلعهم الا بانقلاب او ان يتدخل عزرائيل فيقبض ارواحهم وينهي حقبة حكمهم مثلما حدث مع الرئيس السوري حافظ الأسد وملك الأردن الحسين بن طلال وغيرهم من الملوك والرؤساء العرب ، او ان يلتف حبل المشنقة حول رقبتهم ويلويها مثلما حدث مع صدام حسين عندها فقط سوف يعرف هؤلاء الحكام انهم كانوا من الحكام الذين كان حكمهم يمر في فترة الخرف السياسي او ما شابه ذلك من عدم نضوج في مراحلها السياسية الطويلة.
في مقابل مصطلح الخرف السياسي ظهرت مصطلحات مشابه منها المقاومة غير الشريفة ، والمقصود من الناحية اللغوية غير الشريفة هي العاهرة اي التي تمارس العهر الجنسي ام من الناحية السياسية فان المقاومة غير الشريفة تعني ممارسة القتل للابرياء وللناس عامة وخصوصا الذين لا علاقة لهم بالتسلح والتسليح وتقوم بمهاجمتهم بحجة او باخرى مخالفة للعرف السياسي والقانوني وبذلك يطلق عليها المقاومة غير الشريفة ، ونفس الشئ يطلق على مصطلح العهر السياسي اي ان تكون السياسة قائمة على اسس غير صحيحة قانونيا او اخلاقيا وبذلك فانها سياسة منافية للمجتمع وتعمل على نشر الفساد والتدمير للاسس القويمة في المجتمع .

ان العهر السياسي والمقاومة غير الشريفة هي من مقومات السياسة غير الناضجة او السياسة الخرفة ، والفرق بين السياسة غير الناضجة هي السياسة المستندة على اسس غير قويمة وغير مكتملة ويقودها اناس جهلة لا علم لهم ولا معرفة بينما السياسة الخرفة هي سياسة طويلة في مراحلها ولكن قادتها وساستها لم يتبدلوا ولم يتغيروا واصبحوا عاجزين عن الأداء الأمثل واوصلوا البلاد لنفس النتائج التي توصل لها السياسة غير الناضجة او المتهورة او السياسة الطائشة .

ان افضل مثال للسياسات الخرفة هي ما يحصل في بلدان مثل اليمن ومصر وليبيا نتيجة خرف رؤسائها سياسيا وعجزهم عن الاداء لطول الفترة التي جلسوا بها على كرسي الحكم .

اما ما يحصل في العراق من تخبط في السياسة باكملها هو خليط من السياسة الخرفة والسياسة الطائشة والسياسة المتهورة والسياسة غير المتزنة نتيجة لعدة عوامل متداخلة ومتشابكة اهمها تعدد مصادر القرار السياسي وتذبذبه وصعوبة تطبيق القرارات الصادرة من الجهات المتعددة ، اضف الى ذلك ان في الحكم ساسة وصلوا مرحلة الخرف السياسي نتيجة طول فترتهم في الزعامات وهؤلاء اعدادهم كثيرة ومنهم الساسة الكبار السن مثل جلال الطالباني والباججي والجعفري وفؤاد معصوم ومحمود عثمان وموفق الربيعي وعدنان الدليمي .

أغلب هؤلاء الساسة فشل من الناحية السياسية في اكثر من مجال في زعامة حزبه او قوميته ولكن تشبثهم بكرسي الحكم وحب المناصب ونهب المال العام والثروة المفرطة جعلهم ملتصقين بكراسيهم رغم الترهل الجسمي والذهني وضعف الأداء مما اوصل البلد في زمنهم وفي فترة قياسية الى مرحلة من الفوضى والدمار والقتل. والغريب انهم يرفضون ان يتحملوا مسؤولية ما يحدث بل بالعكس فانهم يحملون الأخرين مسؤولية الدمار الحاصل على الرغم من كونهم في قمة السلطة والهرم السياسي في الحكم وهذا سببه خرفهم السياسي وعجزهم الأداري والحكومي .

انا شخصيا لا افرق بين الزعماء حسني مبارك والقذافي وعبدالله صالح وجلال الطالباني من حيث وصولهم الى قمة الخرف السياسي وما عليهم جميعا الا ان يتنازلوا عن قياداتهم الآلهية الثابتة وان يكفوا عن سماع المديح لحكمهم وحكمتهم المتناهية وانه لولالهم لهلك البشر ، الحقيقة هي ان وجودهم في الزعامات والحكم قد اهلك العديد من شعوبهم التي حكموها ، لقد حان وقت تنازلهم عن السلطة لا لشئ الا لتقادمهم السياسي وخرفهم السياسي وقلة ادائهم التي اصبحت تعطي المردود السلبي .

ان اكثر الناس يقدرون كلامنا هم اصحاب السيادة انفسهم ، ويفهمون ما نقصده من مضمون الخرف السياسي لانهم يقيمون اسلوب ادائهم وعجزهم ، ويصابون بالذهول عندما يعرفون الحقائق الغائبة عنهم ، وهذا ما حصل لصدام حسين عندما تم تقديمه للمحاكمة وتبين انه غافل عن كثير من المسائل التي كان يوقع عليها من دون علم ومعرفة .

ان مجزة الأنفال ومجزة حلبجة ومجزرة الكرد الفيليين لا يتحملها القادة المجرمون من العرب لوحدهم باعتبارهم من نفذ هذه المجازر ولكن يشاركهم المسؤولية القادة الكرد باعتبارهم قادة في تلك الفترة وعليهم ان يعترفوا بانهم كانوا قادة فاشلين لانهم هم الذين فشلوا في تجنب تلك المجازر وعدم معرفتهم في المناورة وعدم قابليتهم في التنبؤ بما سوف يحدث من عواقب وخيمة بسبب جهلهم وطيشهم وعدم حكمتهم ولو كانوا ذو شجاعة كافية لقاموا بالتخلي عن قياداتهم في وقت مبكر ولجنبوا الشعب الكردي ماسي ومصاعب راح ضحيتها الآف الشباب والاف العوائل نتيجة طيش ورعونة القادة المتهورين من العرب والكرد الذين لم يحسنوا الأداء في تلك الفترة وانما كانوا يلهثون وراء مناصبهم وعشائرهم مثلما يحصل اليوم من صراع على الكراسي والمال والثروة والشهرة رغم خرف الكثير منهم سياسيا وعقليا وذهنيا ووصولهم مرحلة من التضخم العرضي تجعلهم عاجزين عن الحركة الفكرية والسياسية والجسمية .