User login

في المحكمة الجنائية

في المحكمة الجنائية - قصة قصيرة

كان خدر عوسمان رجلا يبلغ من العمر حوالي ستين عاما ، وصل الى بريطانيا عن طريق هيئة الامم المتحدة باعتباره لاجئا في معسكر الطاش في الرمادي .عانى هو وعائلته الكثير من المتاعب والمآسي بسبب غزو الجيش العراقي للمناطق الحدودية مع ايران وبعد ان انقطعت بهم السبل التزمت الامم المتحدة امر تقديم المساعدة الانسانية لهم واسكنتهم في معسكر يسمى معسكر الطاش في سنة 1982 الجنوب الغربي من مدينة الرمادي

عاش خدر وعائلته والكثير من العوائل معهم في معسكر الطاش الذي وصل عدد اللاجئين الكرد الذين اسرهم الجيش العراقي الى حوالي 25 الف لاجئ لا لشئ سوى أنهم كانوا يسكنون بالقرب من الحدود العراقية في قراهم الكردية الواقعة داخل كردستان ايران .

بقيت تلك العوائل المشردة في معسكرات الاعتقال حوالي عشرين عاما حتى سقوط صنم صدام في بغداد ودخول القوات الاميركية والجيوش المتحالفة والمتآلفة معها الى العراق ، استطاعت هيئات الاغاثة وفرق الامم المتحدة ان تصل الى تلك العوائل وتقدم لهم الملاذات الآمنة في دول اللجوء مثل الدول الاوربية وغيرها حتى كان نصيب عائلة خدر عوسمان المتكونة من الرجل وزوجته وخمسة بنات كلهم غير متزوجات وابنهم الكبير بابكر ان يصلوا الى انكلترا ويتم منحهم اللجوء السياسي بسبب وضعهم السياسي في معتقل معسكر الطاش الذي يبعد حوالي 350 كيلومترا عن بغداد باتجاه الجنوب الغربي من الرمادي القريب من الحدود العراقية السعودية الاردنية في المنطقة الصحراوية الخالية من كل مقومات الحياة .

غطت وجه خدر لحية بيضاء ونزلت للاسفل لتصل الى صدره وتتحرك مع انفاس صدره ، كان خدر حليق الراس والشارب ، عندما تنظر اليه يخيل اليك انك مقابل شخص من افغانستان أو أحد الزائرين لحضرة الشيخ عبد القادر الكيلاني في شارع الكفاح في بغداد ، كان يرتدي ملابس افرنجية سترة وبنطلون وقميصا ابيض ، لم تكن ملابسه تدل على انه من الاثرياء ولكنه كان نظيفا وبسيطا في هندامه .

دخل خدر الى محكمة الجنايات واوقفه حرس المحكمة وامره بان يخرج كل ما فيه جيوبه وان ينزع سترته ويضع في سلة مجاوره وطلبوا منه ان يدخل في حاجز للتفتيش ، اجتاز خدر حاجز التفتيش في محكمة الجنايات في مدينة ريجموند الواقعة في اطراف غرب لندن . ثم رافقته احدى الموظفات بعد ان استفسرت منه عن هويته ورقم المحكمة وموعد المرافعة الى غرفة الانتظار واوصلته الى حيث يجلس شخص وقور كان يمسك بيده جريدة التايمز اللندنية .

ما ان اقتربت الموظفة من سعيد حتى نهض واقفا ومبتسما ومد يده لمصافحة خدر عوسمان وهو يقول له انا سعيد عباس المترجم الخاص بقضية ابنك ، بعد تبادل التحية والسلام جلس خدر بجوار سعيد وبعد اكثر من دقيقتين من الصمت سأل خدر المترجم حضرتك عربي ام كردي ، فقال سعيد بعد ان بدى عليه الاستغراب وهو الذي اراد ان يحزر هل ان الشخص الجالس بجنبه عربي ام غير عربي ، بلباقة المترجمين المتدربين المحترفين قال سعيد انا اتكلم العربية وانت حضرتك تتكلم العربية ام لا ، فقال خدر نعم انا اتكلم العربية والكردية والفارسية وانا كردي ايراني .

صمت سعيد وهو يحاول ان يفك رموز هذا الرجل الكردي الايراني الذي يتكلم ثلاث لغات واختار اللغة العربية ، لم يصبر سعيد فسأل خدر هل طلبت المحكمة لك مترجما عربيا ام كرديا ام ايرانيا يتكلم الفارسية ، رد بالقول انا قلت لهم اريد مترجما يتكلم العربية ، استغرب سعيد ولم ينطق بكلمة بعدما عرف انه لم يكن هناك خطأ في عملية اختياره وحجزه مترجما لهذا الرجل . اخبر خدر مترجمه عن قضيته وعن معسكر الطاش في الرمادي وتفاصيل حياته كلها وسعيد يستمع لهذا الرجل الذي استعرض كل تفاصيل حياته من دون ان يطلب منه احدا ذلك .

لم يرغب خدر ان يترجم له مترجما كرديا لكي لا يتعرف احد من الكرد على ما قام به ابنه من اعمال مشينة شوهت سمعته ولطخت مكانته الدينية ، كان خدر يخشى من الفضيحة ولذلك طلب مترجما عربيا او مترجما يتكلم العربية ولم يكن يعرف ان سعيد مثله يتكلم العربية والكردية والفارسية والتركية اضافة الى اللغة الانكليزية وهذه صفة معظم المترجمين العاملين بشكل محترف في بريطانيا فاغلبهم يجيد اكثر من لغة وبطلاقة تامة .

لم يصبر خدر طويلا حتى سأل سعيد هل انت مصري ام سوري ام لبناني ، ابتسم سعيد ورد عليه لا انا لست مصريا ولا سوريا ولا لبنانيا انا من العراق واسكن في بريطانيا منذ حوالي خمسة وثلاثين عاما تقريبا. لم يفصح سعيد لخدر انه كردي وابقى هذا الامر سرا على خدر لكي يصل الى كنه هذا الرجل وسبب وجوده في المحكمة .

زادت أسئلة خدر الفضولية وبدأ الانزعاج يظهر على وجه سعيد وهو يحاول ان يتلافى اسئلة الرجل الذي لا يتوقف عن طرح الاسئلة الشخصية من كل الزوايا في الجوانب الدينية والشخصية خصوصا ، حتى جاء السؤال القاسي هل انت مسلم سني ام انت شيعي كافر. صعق سعيد من هذا السؤال وبقي واجما وصامتا ولم يتمكن من الرد بسرعة وبقي مشدوها خانته قابليته الادبية وسلوكه الهادئ من الرد على هذا الرجل الكبير بالسن .

لم يستطع سعيد الرد على خدر وفجأة نادت حاجبة المحكمة لتعلن عن بدء محاكمة المتهم بابكر خدر عوسمان حينها نهض خدر ومعه سعيد وذهبا مسرعين للدخول الى المحكمة رقم 3 ، جلس خدر في الصف الامامي في الجزء المخصص للعامة وجلس بجنبه سعيد لكي يساعده على فهم مجريات المحاكمة واصول المرافعات . كان موقع جلوس الزائرين في اخر المحكمة وبمواجهة منصة الحاكم على بعد حوالي عشرين مترا ، كان موقع جلوسهما قريبا من باب دخول قاعة المحكمة . اكتملت القاعة بالحضور من المحامين والشهود وأحضر الحرس المتهم وهو شاب يبلغ من العمر حوالي ثلاثين عاما ، أجلسه الحرس في منصة الاتهام ، ظل ينظر الى ابيه والاب ينظر اليه بحسرة ، يا ترى ما هي تهمة هذا الشاب وهو ابن هذا الرجل المتدين والزاهد بالحياة كما يبدو من مظهره وملبسه وحديثه الذي يوزع به اماكن في الجنة تارة وتارة اخرى يبعث الناس الى جهنم خصوصا وانه جعل من نفسه خبيرا في الناس وتصنيفاته فهو يعرف ان هذا كافر وهذا مؤمن من خلال استواجبهم طرحه للاسئلة الكثيرة .

حضر الحاكم من باب جانبيه خاصة لدخول الحكام قريبه من منصة جلوسه . نادت الحاجبة على الجميع بالوقوف ، وقف الجميع حتى أذن لهم الحاكم بالجلوس بعد ان رحب بكل الحاضرين بايماءه تدل على الوقار والحشمة وهو يرتدي ملابس الحكام وقبعة الرأس الخاصة بهم .

بدأت جلسات المحكمة ومر الوقت سريعا وانشغل سعيد بالترجمة وهو يهمس بأذن خدر محاولا قول كل ما يقال في المحكمة . مرت حوالي ساعة وربع الساعة حتى وقف الحاضرون جميعا مرة اخرى عندما سمعوا صوت الحاجبة تطلب منهم الوقوف ، عندها غادر الحاكم القاعة على ان يعود بعد نصف ساعة لتلاوة الحكم .

نادت حاجبة المحكمة قيام ووقف الحاضرون ودخل الحاكم وكان رجلا وقورا قد تقدم به العمر ، اخذ مكانه وبدأ بتلاوة قرار الحكم بحق المدان بابكر خدر عثمان الذي أقر مسبقا بكل الجرائم التي ارتكبها وهي جريمة سرقة محل وجريمة اغتصاب فتاة وجريمة تخريب الممتلكات العامة والجريمة الاخيرة هي البصق بوجه شرطي اثناء اداءه الواجب الرسمي .

نطق الحاكم بالاحكام وحكم على بابكر خدر عوسمان ما مجموعه السجن لمدة سبع سنوات عن جميع الجرائم التي ارتكبها على ان تكون الاحكام متداخلة مع بعضها وليست تتابعية بحيث يكون مجموعها سبع سنوات .

اخذ الحرس السجين الى زنزانته وطأطأ الاب رأسه الى الارض وهو يتمتم مع نفسه ، خرج الجميع من قاعة المحكمة وفي راس سعيد مجموعة من الاسئلة يريد ان يطرحها على خدر عوسمان ولكن الموقف الصعب لم يسمح له بذلك ، حال خروجهما من قاعة المحكمة ودع سعيد خدر عوسمان وبقي سعيد يتامل مع نفسه ما سمعه من خدر وهو يحاول الاجابة على التساؤل الصعب من هو الشيعي الكافر الذي كان يعنيه خدر عوسمان ؟ هل هو الحاكم الذي حكم على ابنه حسب القانون ؟ ام ابنه الذي ارتكب كل تلك الجرائم وأقر بها ونال جزاءه بالحكم العادل من المحكمة ؟ ام ان سعيد عباس هو نفسه المعني بالكافر لانه ترجم له كل ما قاله الحاكم خصوصا وانه فعلا كردي مثل خدر ولكنه شيعي المذهب مثلما ينعتونه به علما بانه لم يمارس طقوس الصلاة ولا يعرف حرفا عن كل المذاهب الاسلامية واسباب خلافاتها خصوصا وانه غير مهتم بها ام ان الكافر هو نفسه هذا الرجل الذي يدعي انه بما يضعه من لحية على وجهه وحلق لشاربه يريد ان يفهم الناس انه هو المؤمن وحده وغيره هم الكفرة ، بقي سعيد عباس حائرا وهو يتكلم مع نفسه ويقول والله يا سيد خدر انت وضعتني في حيرة .

ودع سعيد خدر بمضاضة وبكدر وتأسف لما حصل من حكم على ابنه بعد كل سنوات القهر التي عاشها في معسكر الطاش هو وعائلته ليقدم ابنه ويرتكب كل تلك الجرائم البشعة تاركا للعائلة هما كبيرا على معاناة ابيه الذي انشغل بامور غيبية ودخل في متاهات المذاهب الدينية حتى وصل به الامر ان يصل ابنه الى طريق الجريمة والانحراف في مجتمع يختلف كثيرا بعاداته وتقاليده عن المجتمعات الاسلامية الشرقية . رجع سعيد الى زوجته مهموما ومتالما بعد هذا اليوم القاسي من العمل والدرس الذي استبطه من مجريات المحكمة .

ضياء السورملي
بادربورن – المانيا
تشرين الاول / اكتوبر 2008